حيطوريا
كتب يوسف الحوراني في كتابه "من تراث لبنان"
أن القائد الروماني مارك انطونيو وبعد موت بطليموس المعني، عيّن ابنه ليزانياس ملكا على الحيطوريين. ولكنه ما لبث ان وجّه اليه اتهاما بالتآمر مع الفارثيين فقتلته ووهب مملكته، مع ما وهب من بلاد سوريا وفلسطين، لحبيبته كليوباترا.
هذا الاتهام ذاته، يرينا ان الحيطوريون لم يكونوا طلاب سلطة سهلة، في ظلال الامبراطورية الرومانية، بل كانت لهم مطامح هامة، يتطلعون اليها بعنفوانهم المشهود له وبثقافتهم المتميزة التي تحقق منها وجهها الديني والعسكري في العهد الروماني. ويبدوا ان اغتيال ملكهم هو الذي اثارهم الى المشاكسة واثارة الاضطراب.
وكما يذكر جوزيفس المؤرخ، فان اغسطس بعد استيلائه على السلطة في روما، عيّن حاكما على "حيطوريا" يدعى زينودورس. وهذا الحاكم شجع على حركات الغزو وشارك الغزاة في اسلابهم، فاشتكوه الى اغسطس الذي امره بتسليم البلاد الى هيرودس الادومي الذي كان مخلصا للرومان. وكان زينودورس هذا باع منطقة حوران للعرب ب 50 وزنة. وهؤلاء كانوا يكرهون هيرودوس وحكمه ويخالفون زينودورس ضده.
قام هيرودوس ببناء معبد على شرف اغسطس كعربون شكر له، قرب مدينة بانياس، فغدت هذه المدينة بعدذلك، تعرف باسم قيصرية فيليبس. والقيصر هو اغسطس، بينما فيلبس هو اسم ابن هيرودس. وكردّ للجميل بعد موت هيرودس بتقسيم ممتلكاته بين اولاده، فوهب فيليبس مناطق بيتانيا وتراخونيا واورانيا وجزء من الممتلكات التي كانت تخص زينودورس. ويقدر الباحث جورج سميث الذي درس هذا الموضوع، كان جزء من جبل حرمون حتى اليرموك.
ما يعنينا هنا، هو ما يكمن خلف هذه التجزئة لبلاد الحيطوريين. فسلطة زينودورس لم تكن على الارض، بل على الشعب ايضا. وهذا الشعب لم يكن ليقبل بان يُقدم هبة لحاكم أجنبي مع ارضه، وقد فرضت طبيعة هذه الارض فصل الجزء الضعيف منها في الجنوب ليبقى الجزء المزدهر والاكثر عمرانا تابعا للبقاع اللبناني وجبل حرمون. وبقيت بذلك طريق صيدا-دمشق بحماية الحيطوريين الذين كانوا قد برزوا كمحاربين أشداء في الجيش الروماني.
لقد ضمت فينيقيا الحيطوريين اليها بعد الغاء حكمهم المحلي، بعزل زينودورس الذي يرد اسمه باليونانية زينون. فنقرأ لدى سترابو، ان اغسطس وسّع حدود ولاية بيروت، فشملت ارضهم في البقاع حتى منابع نهر العاصي في الشمال، بينما كما يبدو، راعى نفوذ الصيدونيين في البقاع الغربي وسفوح حرمون، فبقيت هذه المنطقة الحساسة كبوابة تجارية في عهدة صيدون حيث نقرأ في تلك الحقبة عن خلاف على الحدود بين صيدون والدمشقيين، كما ذكر جزيفس. وهذا الخلاف لا بد ان يكون على سفوح حرمون، كما لا بد من ان تكون لصيدون حقوق استقلالية كي تثير هذه المشكلة حول حدود أرضها.

















<< Kadmous