عاصفة ثلجية في شمال لبنان
شعر جبران خليل جبران
قَدِمَ الشتاء بثلوجه وعواصفه,
وخَلَتِ الحقول والأودية إلاَّ من الغربان الناعبة,
والأشجار العارية, فلزم سكان القرية أكواخهم...
وأصبحوا, ولا عمل لهم, يُفْنُونَ الحياة بجانِبِ المَوَاقِد
متذكّرينَ مآتي الأجيال الغابرة ومرَدِّدينَ, على مسامِع
بعضِهم, حكاياتِ الأيَّامِ والليالي.
انْقَضَى كانونُ الأوَّل,
وقضى العامُ العجوز متنهِّدًا أنفاسَه الأخيرة في الفضاء الرمادي,
وجاءت اللَّيلَةُ الَّتي يتوِّجُ فيها الدَّهْرُ رأسَ العام الطفل
ويُجْلِسُه على عرشِ الوجود.
توارى النور الضئيل,
وغَمَرَتِ الظلمَةُ البِطَاحَ والأودية,
وابتَدَأتِ الثلوج تنهمر بغزارة,
والعواصف تصفِرُ وتتسارع مُلَعْلِعَةً من أعالي الجبال نحو
المنخفضات, حامِلةً الثلوج لتخزنها في الوهاد...
فترتعش لهولها الأشجار, وتتململ أمامها الأرض...
فَمَزَجَتِ الأرياحُ بينَ ما تساقَطَ من الثلج, في ذلك
النهار, والسَّاقِطِ منه, في تلك الليلة,... حتى أصبَحَتِ
الحقُولُ والطلول والممرَّاتُ كصفحة? واحدة? بيضاءَ يكتُبُ
عليها الموت سُطُورًا مبهَمَةً ثم يمحوها;
وفَصَلَ الضباب بين القرى المنثورة على كَتِفي الوادي,
وتوارَتِ الأنوارُ الضَّئيلة التي كانت تشعشع في
نوافِذِ البيوت والأكواخ الحقيرة,
وقَبَضَ الرُّعْبُ على نفوسِ الفلاحين,
وانَزَوتِ البهائم بقرب المعالف,
واختبأتِ الكلاب في القراني...
ولم يبقَ سِوَى الريحِ تخطب وتضجّ على مسامع الكهوف والمغاور,
فَيَتَصَاعَدُ صوتُهَا الرَّهيبُ من أعماق الوادي تارة,
وينقضُّ, طورًا, من أعالي قمم الجبال... كأن الطبيعة قد
غضبت لموتِ العامِ العجوز, فقامت تأخذ بثأرِهِ مِنَ
الحياة المختَبِئة في الأكواخ, وتحارِبُهَا بالبردِ القارس والزمهرير الشديد
من أقصوصة "خليل الكافر"

















<< Kadmous