حقيقتان مميزتان
عند مصب نهر الكلب، خلف لنا الزمان 19 نقشا كتابيا بلغات ثمان بدءا بالمصرية القديمة، فالاشورية، فالبابلية، فاليونانية، فاللاتينية، واخيرا الفرنسية والانكليزية والعربية. هناك كان اهل لبنان بعددهم القليل يصمدون في وجه الاجنبي المحتل.

نقش انسحاب الجيش الفرنسي. صورة أكبر.
لبنان الصغير بمساحته والغني بالزمن، ازدحم التاريخ فيه منذ اقدم العصور ولا يزال. فمنذ الوف السنين سكن الانسان كهوف لبنان وشطآنه وسهوله. اما تاريخه المكتوب فعمره خمسة آلاف سنة، اي اطول من تاريخ الولايات المتحدة بثلاثين مرة. طبيعة ارضه الجبلية، وقربه من البحر، وموقعه في مركز متوسط بين قارات ثلاث، كانت عوامل في تكوين دوره التاريخي.
وفهمنا للحقيقتين التاليتين ضروري لفهم تاريخ هذه المنطقة:
1. ان ساحل هذه المنطقة وسهلها الداخلي اي البقاع كانا ابدا مركزا للاتصال بالعالم الخارجي ولتبادل الحضارات وللتفاعل الفكري وللتغيير الدائم.
2. ان أعالي هذه المنطقة، والتي يصعب الوصول اليها احيانا، كانت منطقة منعزلة نائية عما يجري في العالم. فحافظ اهلوها على عزلتهم وعلى اكتفائهم الذاتي وعلى حريتهم واستقلالهم وعلى مناعتهم ضد كل شيء يجيئهم من العالم الخارجي.
Reference: History of Lebanon - By Philip Hitti
Back to Kadmous
20.11.04
كي لا ننسى إيليا أبو شديد
بقلم شربل بعيني
ـ1ـ
إيليا أبو شديد..
شاعر من أرضي التي أعبد،
عرف كيف يحوك من خيوط العنكبوت
خيمة يتفيّأ تحتها الشعر.
عرف كيف ينسج في ليالي النار عباءات من الورد
تستر بها القصيدة عورتها.
ـ2ـ
حمل قناديل الثلج كما حمل ديوجين قنديله،
ولكننا اهتدينا بقناديل ثلجه
ولمّا يهتدِ ديوجين بعد!
ـ3ـ
بنات العشرين طرّزن حروفه بحلماتهن،
مخافة أن تجوع الحروف
ولا تجد من يرضعها.
ـ4ـ
كان الشاعر اللبناني الوحيد
الذي غنّى لجرحه المصلوب،
وبدلاً من أن يبكي الجرح،
راح يصفّق طرباً.
ـ5ـ
صوت مارده هز الكون،
وما زال يهزه،
غير عابىء بدوراته ورياحه وأنوائه..
فالمارد من لبنان،
والصوت شهقة شاعر فذ.
ـ6ـ
وكما ركب قدموس البحر،
ليزرع أبجديته على ألسنة القارات،
هكذا امتطى البحّار صهوة زورقه
ليزرع أشعاره في قلوبنا.
ـ7ـ
إنه ثورة لـم يعترها ندم..
إنه الشاعر الذي أمر الزمان أن يقف،
فوقف ليحتضنه ويرحل.
ـ8ـ
قصيدة (حياتي) أو (صوت الإنسان)
أسمعها قبيل رحيله لصديقه الدكتور عصام حدّاد،
وأوصاه أن يسمعها للريح..
علّها تنقلها إلى الجهات الاربع،
وتعلقها على صدور الناس أزرار ورد.
ـ9ـ
صدرت عنه دراسات عديدة،
نذكر منها: إيليا أبو شديد، شاعر المغامرة، للباحث جان صدقة.
وإيليا أبو شديد شاعر عامي مبدع، للدكتور جورج طربيه..
ولكن الدراسة الأهم كانت حياته المليئة بالعطاء اللامحدود.
ـ10ـ
إيليا أبو شديد غيّبه الموت عن 64 عاماً،
ولكن الشعر أحياه
وأعاده إلينا في اليوم الثاني قصيدة ولا أجمل،
سيرددها الناس،
وستحرق قلوب العشّاق.
**
Back to Kadmous
13.11.04
اضحك مع الدكتور عصام حداد
بقلم شربل بعيني
عندما تتكلّم عن الدكتور عصام حدّاد، صاحب ومدير معهد الأبجدية في مدينة جبيل اللبنانية، يعرف الجميع أنك تتكلّم عن الكرم اللبناني الأصيل النادر، المعتّق في إحدى خوابي عين كفاع الغارقة في القدم..
ومجنون من يفكّر أن هناك من يضاهيه بحبّه، بإخلاصه، باندفاعه وبعطائه اللامحدود.. إنه أفضل نحلة في قفير وطننا لبنان.
سعادته تكمن في سعادتك، وراحته لا تكتمل إلا إذا اكتملت راحتك.. إنه يسير عكس التيّار المادي الكاسح الماسح، يفرك أنفه وأذنيه ويضحك.. وإنك لتتعجّب من جرأته وتلقائيته.. وحماسه للبنان.
يحبّ النكتة، ويتفنن بإلقائها وبفبركتها، وبالاستمتاع بها.. وإليكم بعضها:
طلب أحدهم من الدكتور عصام حداد أن يساعده بالتفتيش عن شقة تقع على شفير أحد الوديان.. فأخذه الدكتور إلى بلدة (مستيتا) قضاء جبيل، حيث الوادي الأخضر المضمخ بلؤلؤ نهر الفيدار، فأعجب بالمنظر كثيراً.. ولكنه اكتشف ان المنطقة لا تصلها مياه الشفة، فغيّر رأيه وطلب من عصام أن يأخذه إلى وادٍ آخر، فما كان منه إلاّ أن التفت إليه وقال:
ـ ضروري تحطّ مصرياتك ع الوادي، ما لبنان كلّو وديان، وين ما بدّك وقاف وتفرّج ببلاش.
ومن النكات التي يخبرها عصام لأصدقائه واحدة حصلت في سيدني يوم زارنا لاستلام جائزة جبران العالمية، وفي حفل توزيع الجائزة قال رئيس رابطة إحياء التراث العربي الاستاذ كامل المر: إني أرحّب بكم فرداً فرداً.. فما كان مني، وكنت سكرتير الرابطة، إلا أن قلت:
ـ شو يا إستاذ كامل.. الظاهر ما شفت إنّو في نسوان بالحفلة حتى تقول: إني أرحب بكم فرداً فرداً..
فأجابني والدهشة بادية على محياه:
ـ وشو بدك ياني قول؟!
فأجبته بجدية ظاهرة:
ـ لازم تقول: إني أرحب بكم فرداً وفردةً.
فضحك الاستاذ كامل المر، وحمل الدكتور عصام حداد النكتة إلى الأثير اللبناني لتصبح نكتة الموسم.
ومنذ عدة أشهر، كنّا في ضيافة الدكتور عصام حداد، فأولـم على شرفنا وليمة حضرها رئيس تحرير مجلة (الامن) اللواء الشاعر محمد ياسر الايوبي. ومن جملة المأكولات التي أعدتّها أخته سلوى (حبشة) محشية بالأرز، تبدّل على تقطيعها جميع المدعوّين نظراً لحجمها الكبير.
وفجأة دخل أحد اصدقائه، وطلب التحدّث معه، فما كان منه إلا أن دعاه لتناول الطعام معنا.. ولمّا لـم يقبل وهمّ بالانصراف، لحقه الدكتور عصام وصوته يسبقه: سلملي ع بيك.. سلّملي ع إمك.. سلملي ع جدك.. ع ستك.. ع عمك.. أللـه معك.
وعندما رجع إلى الطاولة قلت له بصوت عالٍ:
ـ شو باك يا عصام.. هيئتك صرت بخيل كتير!!
ـ ليش شو عملت؟
ـ بدل ما تحمّل صديقك كل هالسلامات لأمو ولبيّو.. كان الافضل تحمّلو فخدين من هالحبشة تا يتعشّوا عليهن.
لقاء الدكتور عصام حداد صعب، ووداعه أصعب.. والويل ثـم الويل لمن يتعرّف على كامل العائلة (الحدادية) سلوى، سمير وسامي.. فلسوف يسرقون قلبه وعقله.. ودمعته.. ويتركونه ضائعاً.. حائراً، لا يطيب له عيش إلا بالقرب منهم
3.11.04
لبنان من فضاء العالم

فلوريدا، الولايات المتحدة (CNN) -- رغم وجوده على بعد 360 كيلومترا عن كوكب الأرض، فقد أصر رائد الفضاء الأمريكي، ليروي شياو، على الإدلاء بصوته في الانتخابات الأمريكية، ليؤكد، على حد قوله، قناعته بأن لكل صوت له تأثير على مستقبل بلاده.
لا ازال اذكر اول قراءة لي لجريدة النهار، كان عمري وقتها 9-10 سنين، ولكنني لا اذكر ولا مرة منذ ذلك الحين، ان النهار، اكبر جريدة لبنانية، قد عنونت صفحتها الرئيسية بكلمة واحدة. الا يوم 4 ت2، كلمة واحدة لا غير: بوش. أما في المقلب الآخر، فلم يجد كبير معلقيها السياسيين، جوزيف سماحة، الا كلمات ثلاث، أتت راعبة وماحقة، ودافنة لخمسين سنة من الاساطير الايديولوجية.
وفي الوقت الذي لم يجد أبناء النهار غير كلمة واحدة ليعبروا عن كل ما تختلجه قلوبهم من امل بلبنان حر،
وفي الوقت الذي يكتب جوزيف سماحة مقال النهاية من عتمة ملجأه،
وفي الوقت الذي فيه يدلي رائد الفضاء الاميركي ليروي شياو بصوته من اعقد مركبة الكترونية من الفضاء،
وتقريبا، وبذات الوقت، لم يجد مغتربو لبنان (ال 10 ملايين حسب ارقام رئيس مجلس النواب اللبناني الحالي) ولا وسيلة، لا سياسية ولا الكترونية، ليؤكدوا، على حد قول شياو، قناعتهم بأن لكل صوت له تأثير على مستقبل بلادهم.
فحسب قوانين لبنان لا يحق لمغتربينا، أي ملايين، الدكاترة في الطب والاقتصاد والهندسة، ورجال الاعمال، والفنانون والادباء والكتاب وحاملي الجوائز العالمية، والعلماء والباحثين، والموسيقيون، وسائر العائلات اللبنانية الاصيلة والمحبة للبنان، لا يحق لهم ان يقولوا شيئا في مستقبل لبنان. لا انتخاب في مقار السفارات كما اغلبية بلدان العالم. لا انتخاب لمختار ولا لعضو بلدية ولا لنائب وطبعا لا لرئيس.
وكل هذا بحجة ان اكثرية المغتربين من الطائفة المسيحية وهذا يؤثر على التوازن الطائفي. وبكلام آخر يعنون من حيث لا يدرون بان فلان المغترب الباحث في علم الذرة المولود كمسلم لا يحق له ان يدلي بصوته ليختار اي مسلم آخر ليكون رئيس وزراء مسلم. ولا يحق بالتالي للمسيحي الطبيب المغترب صاحب المعجزات الطبية ان يقول كلمته من يكون وزير الصحة المقبل. ولا يحق للمغترب الدرزي صاحب مزرعة الدواجن في البرازيل ان يقول كلمته في مستقبل التقنبات الزراعية بمنطقته.
ولكن يستطيع رستم غزالة ان يستدعي الى مكتبه في عنجر اغلبية النواب وينقل لهم قرارات دمشق المتعلقة بالانتخابات على مختلف انواعها.
يشفع بهذه الاهانة الجماعية لامة نابضة بالحياة شيئا واحدا فقط، وهي ان اللبنانيون قد ادركوا بوضوح ان النهوض بوطنهم يستحق كل تضحية يقومون بها من اليوم وصاعدا. فلقد تبين لهم ان الاكاذيب التي تليت عليهم كلهم بكل طوائفهم وعائلاتهم كان مصدرها اعدائهم الذين يتربصون بهم شرا.
وغدا عندما سيقرأ اعداء لبنان ان رواد لبنان في العالم، فضاء وأرضا، يقررون باصواتهم مستقبل لبنان، ساعتئذ قد يقررون ان ازدهار اممهم اذ يعود الى ابنائهم جميعا غير ناقص منهم واحد.
















