أطلقوا سراح شربل حاماتي
بقلم شربل بعيني ـ أستراليا
هزني خبر قرأته عن شربل حاماتي الوالد اللبناني المسجون في الولايات المتحدة الأميركية، بعد أن وجهت اليه تهمة التحرش الجنسي بابنه البالغ من العمر أربعة أشهر لا غير. وكان شربل قد التقط بعض الصور لابنه عرياً (من الزنّار ونازل)، وأرسل الفيلم إلى التظهير، وبدلاً من استلام الصور، استلمه البوليس الأميركي وأودعه بيت خالته.
بربكم، من يتحرّش بطفل رضيع بهذا العمر وهذا الحجم؟ إنه مجرد قطعة لحمية صغيرة قد لا يشتهيها إلاّ حيوان (الدينغو) الذي افترس الطفلة الأسترالية أزاريا تشمبرلن، واتهموا والديها بقتلها، إلى أن اعترف أحدهم، بعد سنوالت طويلة، بأنه ورفاقه وجدوا جثمان الطفلة، فأخفوه، خوفاً من الملاحقة، ودفنوه في مدينة مالبورن. كما أن جسد طفل محفّض كهذا، قد لا يثير غرائز المهووسين جنسياً، فكم بالأحرى والده!. وأجزم أن (سميي شربل) قد طار صوابه من شدة الفرح، عندما أنجبت له زوجته طفلاً ذكراً، فراح يقبّله، كعادتنا نحن الشرقيين، في جميع أنحاء جسمه، غير عابىء بالقانون، أو بشرطة مدينة (رالي) الأميركية، أو بجميع قضاة ولاية كارولينا الشمالية، ولسان حاله يردد: هذا إبني وأنا حر به.
مسكين ابن الحاماتي، فلقد تمسّك بعاداته الشرقية حدّ العمى، ولم يتأقلم، ككثيرين مثله، مع عادات البلاد التي اختارها لسكنه، ولتنشئة عائلته، وتناسى أن القوانين في الدول الراقية لا ترحم أباً ولا أماً، ولا تعترف بحنوٍّ، أو
بمحبّة، أو بفرح أبوي.
قد تتعجبون إذا أخبرتكم أن قصصاً كثيرة، كهذه، تحدث في جاليتنا العربية في أستراليا، ولكن البوليس الأسترالي بدأ يتفهّمها، ويغض النظر عنها، بعد أن يوجّه إنذاراً لعائلة الطفل (المجنى عليه!)، حسب القوانين المرعية.
ومن هذه القصص الكثيرة، اخترت لكم قصة حدثت في (معهد سيدة لبنان ـ هاريس بارك، سيدني) منذ 20 عاماً تقريباً.. فلقد همس أحد الأطفال في أذن معلمته أن عمّه القادم حديثاً من لبنان يقبّله بين فخذيه، فجن جنونها، وأسرعت إلى مكتبي بغية استعمال الهاتف، ولم يدر بخلدي أنها ستتصل بالشرطة، إلاّ عندما سمعتها تقول: هناك طفل في صفي أخبرني أن عمّه يقبله في مكان محرّم، وأعطتهم عنوان المدرسة، وغادرت المكتب دون أن تشرح لي الأمر. فلقد كان السمّ ينقّط من وجهها، ليس حبّاً بالطفل بل خوفاً من أن يطالها القانون الأسترالي الصارم، الذي يجبر المعلمين على إبلاغ الشرطة بكل ما يسمعون من قصص تتعلّق بالتحرش الجنسي أو بالضرب، وإلا تعرضوا هم للملاحقة القانونية. فلحقتها إلى الصفّ، وطلبت منها إرسال الطفل الضحية إلى مكتبي، كوني المسؤول عن التربية والأخلاق في المعهد.
وفجأة، دخل إلى مكتبي رجل وامرأة، لست أدري كيف وصلا بهذه السرعة، وقالا أنهما من دائرة مكافحة التحرش الجنسي في ولاية نيوساوث ويلز، وسألا عن تلميذ في الصف الرابع الإبتدائي اسمه سركيس. فأشرت إليه وقلت: هذا هو، ولكن قبل أن تقوما بأي إجراء قانوني، هل لي أن أسأله أمامكما بعض الأسئلة، فوافقا على ذلك. فسألته وهما يصغيان إلى كل كلمة أتفوّه بها:
ـ ما اسمك؟
ـ سركيس..
ـ وما اسم عمك؟
ـ سركيس..
ـ أنت تحمل اسم عمك إذن..
ـ نعم..
ـ متى جاء عمّك من لبنان؟
ـ منذ أسبوع تقريباً..
ـ ولماذا جاء إلى أستراليا؟
ـ حتى يراني.. فأنا أحمل اسمه في العائلة..
ـ إذن هو فرحان بك كثيراً..
ـ نعم..
ـ وماذا يقول لك عندما يقبّلك بين فخذيك؟
ـ يقول لي: أريدك أن تكون رجلاً كعمّك..
ـ وبعد ذلك؟
ـ يحملني في الفضاء ويصيح: سركيس الصغير هو أنا.. أفهمتم؟
ـ هل كان يقبّلك أمام والديك..
ـ نعم.. وأمام إخوتي أيضاً..
ـ أتدري أن البوليس سيعتقل عمّك بسبب تقبيله لك بين فخذيك، وسيأخذه إلى السجن.
ـ لن أدعهم يفعلون ذلك.. أنا أحب عمّي كثيراً.. سأعضهم.
ـ هل ستقول لهم ذلك متى جاؤوا إلى هنا..
ـ أجل.. وسأشتمهم أيضاً..
ـ الرجل والمرأة الواقفان أمامك من شرطة الولاية، فماذا ستقول لهما؟
ولم أكن أدري أن طفلاً كسركيس، لم يستقبل ربيعه الثامن بعد، سيكون قوياً
وجباراً إلى هذا الحد، وسيهجم عليهما محاولاً رفسهما برجليه الصغيرتين، وهو
يصيح:
ـ أخرجا من هنا.. أنا أحب عمّي كثيراً، ولن أدعكما تأخذانه إلى السجن.
عندئذ، التفت إليهما وقلت: أتصدقان أن عمّي قد قبّلني مئات المرات عندما كنت صغيراً، تماماً كما فعل عم هذا الطفل. وأن عمتي تحملني عارياً في إحدى الصور وأنا ابن 3 أشهر، وقد نشرت هذه الصورة في كتاب (شربل بعيني بأقلامهم)، إنها عاداتنا اللبنانية، هكذا نفرح بالطفل الذكر عندما يرزقنا إيّاه الله.. فأرجوكما أن تتركا المسألة بين يديّ، وأعدكما بأنني سأتصل بعم الطفل، وسأحذّره من تقبيله في الأماكن المحرمة، وإلا سيلاحق قانونياً.
والمضحك في الأمر، أن العم سركيس لـم يقتنع بأقوالي، ولم يأخذ تحذيري له بجدية، بل راح يشتم أستراليا وقوانينها التي تمنعه من تقبيل ابن أخيه أينما شاء. وأقسم برحمة أبيه وأمه ثلاث مرّات، أنه لن يبقى يوماً واحداً في بلاد لا تحترم شعوره ولا تفهم عاداته، وغادرها في الحال.
قصة حقيقية، رميتها أمامكم، علّها تساعد عائلة شربل حاماتي من بعيد أو قريب أثناء محاكمته، فقد يتفهّم القاضي الأميركي عاداتنا اللبنانية كما تفهّمها البوليس الأسترالي، وتعامل معها بمرونة يشكر عليها، أنقذت حياة إنسان لبناني جاءنا ضيفاً، فكادت محبته لابن أخيه أن ترميه في السجن.
من حسن حظ القاضي الأميركي أن ابن شربل حاماتي لا يرفس ولا يتكلّم، وإلا لكان أصابه ما أصاب البوليس الأسترالي من رفسات تلميذي سركيس، ولسمع (الحاماتي) الصغير يصيح بوجهه وهو يبكي: اطلق سراح أبي.. فأنا أحبه.
إذا كان شربل حاماتي ما زال في السجن، أطلقوا سراحه وسراح صوره، وشرّفوه على صحن كبة وكأس عرق احتفاء بمولوده الذكر.
عقبى لغيره إن شاء الله، ولكن بدون صور.
مشوار
كانت عم تشتي و لولا وقفت رنخت فستاني
و شو هم كنا صغار و مشوار رافقتو أنا مشوار
و قالوا شلحلي ورد عا تختي و شباكنا بعلا
و شو عرفو أيا تختي أنا و أيا تخت أختي
بيلفقوا أخبار و مشوار يا عيوني مرق مشوار
و قالوا غمرني مرتين و شد شوف الكذب لوين
مرا منيح اتنين؟ و لا ردتو إيدي و لا هو أرتد
شو بيفضحو ا أسرار و مشوار شفتو و ما رجع مشوار
كذبوا مين بيقول كذبوا مين كذبوا مين بيقول كذبوا مين
امبارح بنومي بصرت اني عازندو طرت و الأرض مفروشة كلا ياسمين
إن صح الحلم شو صار و مشوار جينا عالدني مشوار
25.9.04
الاعتذار...متى؟
:::::::: Quotes from reformsyria.com ::::::::::
Where does the Party stand on the Occupation of Lebanon? Lebanon is a vibrant democracy that has been stifled and choked by Syria's presence. Instead of learning from Lebanon, a center of trade and an impressive entrepreneurial past, we are killing it. RPS shall deliver Lebanon to the Lebanese people and work with them to establish trade as equal partners.
RPS mission is to vacate from Lebanon and to repair the damage done from years of occupation by supporting and helping all Lebanese willing to espouse transparency and accountability and to do so in an environment free from pressure.
يتداول على صفحات الانترنت والصحف الاميركية اسم موقع حديث نسبيا على الانترنت، يعود الى حزب سوري جديد اسمه "حزب الاصلاح السوري -RPS-". ويعرّف منشئي الحزب، مثل السادة فريد غادري وعبد الله شعلان وغيرهم, عن انفسهم بأنهم اميريكيون - سوريون، يسعون الى قيادة عملية اصلاح جذرية للنظام السوري. هذه العملية تشمل اصلاحات سياسية وقضائية واقتصادية، ومن مهماتها بناء ديموقراطية حرة حقيقية وتأسيس دينامية اقتصادية تعود بالمصلحة الى كل المجتمعات المجاورة…
قد تبدو للوهلة الاولى أنني اساهم في الدعاية " للمعارضة السورية "، في محاولة لتجنيد كل ما يساهم في انتصار القضية اللبنانية، وهذا صحيح. ولكن فعلا اريد ان اتكلم عن ما لفتني في مقاربتهم، أي حزب الاصلاح السوري ، للمشكلة اللبنانية. ففي صفحة ما هي مهامهم الان، ورد في البند المتعلق بلبنان ما يلي:
"اخلاء لبنان واصلاح الاضرار التي تسبب بها اعوام من الاحتلال -يقصد السوري- عبر دعم ومساعدة كل اللبنانيين الذين يريدون تبني مبدأ الشفافية والمحاسبة في جو خالٍ من الضغوط".
وفي مكان آخر معني بلبنان، يجيب مؤسسو الحزب الجديد عن سؤال يتعلق بموقف الحزب المذكور من قضية احتلال لبنان:
"لبنان، ديموقراطية حيوية، خنقها وكتمها الوجود السوري. وبدلا من التعلم من لبنان، بلد التجارة والمؤسسات التجارية الذائعة الصيت، نقوم بقتله. ونحن في حزب الاصلاح سنسلّم (أو سنعيد) لبنان الى الشعب اللبناني، متعاونين معهم اقتصاديا على اساس مساواة في الشراكة".
لا شك اننا في لبنان نحتاج الى التحدث مع جيراننا السوريين الابد ين بلغة ديموقراطية وشفافة , مقاربة بعمق كل المشاكل العالقة بين البلدان منذ اكثر من قرن. ولا اشعر بأية مفاجأة بوجود بعض السوريين، المثقفين، من الذين يعون المشكلة مع لبنان تماما. أحيانا تشبه اجوبتهم الخجولة والغير واضحة، أجوبة ابن يسمع انتقاد ضد والده، او أخ يسمع ما قد فعله أخوه من مصائب وذنوب. ويل له ان دافع عنه مع انه يوافق على نصف الحديث، وويل له اذا لم يدافع عنه لأنه لا يوافق على النصف الاخر من الحديث.
ضعت؟ سأشرح لك ما أعني... ولكن قبل ان استرسل في ذلك، لا بد لي من أعود بذاكرتي الى نقاش راقي أجريته مع أحد المولجين بالرد على اسئلة السائلين في موقع آخر للمعارضة السورية، وأعني موقع "اللجنة السورية لحقوق الانسان - SHRC-". ففي رده على اذا ما كان يؤمن بقضية " سوريا الكبرى " بحيث انها تضم لبنان الى ما تضمه من بلدان عربية اخرى، أجاب بما معناه، بكل وضوح لا مكان للّبس فيه، أن لبنان كان على مر العصور سورياً، ولكنهم يحترمون الان استقلال لبنان بالرغم من كل الطائفية التي فيه. وأضاف ان على الجيش السوري ان ينسحب من لبنان.
وهذا كل ما استطعت أن اجده في هذه المسألة، في كل صفحات الانترنت التي تقارب الثلاثة مليارات، حسب محرك البحث "غوغل ".
فعودة الى مقاربة بعض المعارضين السوريين لمشكلة لبنان، استطعت ان اجد عندهم نقطتان لا غير: الاولى يجب ترك لبنان لاعادة العلاقات الاقتصادية على اساس شراكة متساوية، والثانية يجب الانسحاب من لبنان على الرغم ان لبنان جزء سوري.النقطة الاولى تقول انها تخاف من ان يتطور لبنان اقتصاديا بينما تعود سوريا الى حجمها الطبيعي قريبا، وتعود الى اقتصاد يفتقد الى الدينامية ويعتمد على الزراعة والصناعات البلاستيكية الخفيفة. والنقطة الثانية أُضطرت للاعتراف ان لبنان أمة مستقلة حرة، وقد يكون اعترافا مؤقتا، تاركة في جارورها السري واقعة ان لبنان "طائفي"، وقد نعود الى هذه مرة اخرى، بوقتها، كالعادة المعروفة السورية.
وهل تعرف لماذا وضع الاميريكيون بند اقفال بعض المدارس الدينية الاسلامية في البلاد التي ترعى الارهاب، لانهم يعرفون ان الارهاب او السلام او الديموقراطية هو نتاج تربية مدرسية منهجية، فيه تتعلم الاجيال كيف تقود مسيرة حياتها. ففي الوقت التي تعلّم مدارس الديموقراطيين اجيالها على ضرورة احترام حرية الاخرين في اختيار دياناتهم وطرق معيشتهم والمحافظة على البيئة والصحة والدفاع والعمل من اجل السلام، في الوقت ذاته، تسمح البلاد الداعمة للارهاب لبعض المنظمات بفتح مدارس، فيها يتعلم التلاميذ كيفية احتلال الآخرين وبسط السيطرة بالقوة على الشعوب الاخرى. ومنها، المدارس السورية قاطبة، التي تعلم اولادها ان كل الارض التي تقع في غرب آسيا او ما يسمى بالبلاد الواقعة في حوض شرق البحر الابيض المتوسط، لم تكن الا بلاد سورية، في مؤامرة هائلة لالغاء وجود جميع القوميات الموجودة منذ الاف السنين، حتى ما قبل ظهور المسيحية والاسلام.
واذا لم تتعلم الاجيال السورية في مدارسها ان للشعوب الحق في تقرير مصيرها، وان السلام بين شعوب وامم هذه الارض هو الطريق الوحيد للعيش بأمان والتمتع ببحبوحة اقتصادية. وأن ذلك ليبدأ بتغيير مفاهيمهم التاريخية والجغرافية ليستطيعوا العيش بسلام وكرامة مع كل جيرانهم. وهذا كلام بديهي وثابت وابدي، يكفي لهم ان يتطلعوا الى جارتهم القارة الاوروبية، ليعرفوا كم عانت هذه الشعوب حروب امتدت احيانا مئات السنين، في محاولات نابوليونية، او نازية، او بسماركية، وكيف بالتالي تعلموا الدرس جيدا. وها نحن اليوم نرى، غداة انضمام بولونيا الى الاتحاد الاوروبي السياسي والاقتصادي والنقدي، رمزية مليئة بالمشاعر الوطنية والافتخارية، بعد ان كانت بولونيا سببا لحربين عالميتين بين الامبراطوريات القديمة.
وفي اليوم الذي ارى فيه رئيسا وحكومة سورية، في وفد يضم رؤساء العائلات السورية مع اهم المثقفين والفعاليات السورية، في قصر الرئاسة اللبناني، يعتذرون أمام وسائل الاعلام اللبنانية قبل العالمية على كل المجازر والتدمير الذي تعرض له اللبنانيين ولبنان، ويعترفون انهم، بالتعاون مع انظمة عربية وغربية، سببوا للبنان جميع الكوارث الاقتصادية والسياسية منذ انشاء لبنان... ساعتئذ، وبعد هذا اليوم الموعود، وبعد البدء بدفع تعويضات للبنان، وبعد وضع مناهج سورية مدرسية تدرسّ الاجيال السورية الجديدة الحقيقة عن الدراما السورية اللبنانية، تبدأ فعلا حقبة جديدة فعلية قائمة على الصراحة والشفافية نحو علاقة سليمة سياسية اقتصادية.
حقوق الإنسان - المادة 9
في 10 كانون الأول/ديسمبر 1948، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
المادة 9
لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً.
Back to Kadmous
21.9.04
البطريرك صفير عندما بكى..
بقلم شربل بعيني ـ أستراليا
التقيت البطريرك مار نصر الله بطرس صفير مرّتين: المرّة الأولى أبكيته بها، والمرّة الثانية أبكاني أنا.
عام 1993 زار غبطته أستراليا، وكان من حسن حظي أن أعدّ برنامج استقباله في معهد سيدة لبنان، فدرّبت الطلاب على أجمل الأغنيات الترحيبية، وعندما جاء دور الكلام، ألقيت على مسمعه قصيدة جعلت الدموع تنهمر غزيرة من عينيه، وجعلتني أتوقّف عن الإلقاء، والدهشة تعلو وجهي، هل أكمل أم أتوقّف؟.. فما كان مني إلاّ أن التفت إليه وقلت: نحن هنا لنفرّحك يا سيّدنا وليس لنبكيك. فأشار إلي بأن أكمل الإلقاء، فأكملت باللهجة اللبنانية:
طلّتكْ.. كمشة فرح ودموع
غيّاب.. يا ما تأمّلوا فيها
إيدين.. تحصد زهر، تضوي شموع
وشفاف.. تتمرَّن عَ آويها
وسيدني الْـ صرلا شهر تمشي طلوع
تا تطال "قامِه" الرّب حاميها
نخّت عَ إيدك نخّة الموجوع
تزرع البوسِه.. وتسقيها
يا بطرك المشرق.. بصوت جموع
كلمة "يا أهلا" بحبّ غنّيها
نحنا ولادك.. ناطرين رْجوع
هاك الكنايس صعب ننسيها
قلب الطفل بِـ غربتُو مشلوع
سنينو، لأيّا أرض، يهديها؟!
لبنان حلمُو.. والحلم مفجوع
وسيدني بتعطِي.. وحقّ يعطيها
صلِّي تا نرجع.. مطلبك مسموع
رجوع الرّعيّه همّْ راعيها
بصدورنا.. حبّ الأرز مزروع
وبلادنا.. بالدّم نفدِيها
حامل صليبك.. مقتدي بيسوع
وعتماتنا بالطّهر تضويها
ومهما شبعنا لمخبَزك منجوع
يا سيد بكركي.. يا راعي الشَّرق
وزنات حبَّك.. عار نخفيها!!
وفي السفارة اللبنانية بكانبرا، حاول سفير لبنان السابق الدكتور لطيف أبو الحسن أن يقدّمني لغبطته بعد يومين من إلقاء القصيدة، فتطلع به البطريرك وقال:ـ لقد بكيت مرّتين، الأولى عندما سار أطفال لبنان بمظاهرة من أجل لقمة الخبز والحرية، والثانية عندما استمعت إلى القصيدة، وهذا ضعف مني، يجب أن لا يتكرّر.
وقد تناقلت الوسائل الإعلامية خبر بكاء البطريرك صفير في أستراليا، وأنه من النادر أن يبكي، فأحسست بذنب لم يفارقني إلاّ عندما زرته في لبنان.
هناك في بكركي، دخلت على غبطته بعد 8 سنوات، وباعتقادي أنه نسيني تماماً، ولم يعد يتذكّر وجهي، وهو الذي يشاهد مئات الأوجه يومياً، وكم كانت دهشتي عظيمة حين قال لي وأنا أسلّم عليه: ـ إيّاك أن تلقي قصيدة كالتي ألقيتها في سيدني، فأنا لا أريد البكاء. فتطلعت به وقلت: ـ أما زلت تذكرني يا سيّدي؟ وكنت يومذاك برفقة الدكتور عصام حداد، صاحب معهد الأبجدية في جبيل، فقال للبطريرك: ـ ما شاء الله يا سيّدنا، ما زالت ذاكرتك قويّة. ولأن العبارة التي قالها في السفارة اللبنانية أرقتني طويلاً، وآلمتني طويلاً، سألته ويداي تحضنان يديه:ـ لماذا اعتبرت بكاءك ضعفاً يا سيّدي، فلقد سمعتك تقول هذا للسفير أبو الحسن، يوم شرّعت السفارة اللبنانية أبوابها لاستقبالك؟.. كنت أعتقد، قبل أن ألتقيك، أن رجال الدين بدون قلوب، ولهذا شتمتهم بمختلف طوائفهم في ديواني (ألله، ونقطة زيت)، إلى أن محت دمعتك الحنونة كل ما كتبت، فالمراكز العالية، يا سيّدي، تحجّر القلوب، أما قلبك فما زال يبكي علينا ومعنا.
هنا، راح يخبرني عن دموع السيّدة العذراء، وكيف بكت تحت قدمي ابنها يسوع المسمّر على الصليب، وأخبرني قصصاً كثيرة أثلجت قلبي، وخففت عني الشعور بالذنب الذي رافقني لسنوات طويلة. وعندما سألته عن تردّي الأوضاع الأمنية والاقتصادية والبشرية في لبنان، وماذا سيخبّىء لنا القدر؟ تمتم قائلاً:ـ لا حياة لمن تنادي، نحن نتكلم ولا أحد يسمع.. كل يغنّي على ليلاه..
وراح يخبرني عن هجرة المسلمين والمسيحيين الجماعية من لبنان، وأن لبنان سيفرغ من سكّانه قريباً، وأن الشعب يرزح تحت ألف عبء وعبء، وأن الوطن على طريق الإفلاس.. وشعرت بغصّة كبيرة في صوته، فبدأت دموعي تدغدغ عينيّ، ولكني أخفيت ألمي عن غبطته، كي لا أزيد فوق همومه هم رجل مغترب، ولكي لا يطوي النسيان تلك الزيارة سجّلت معظم كلامه في مسرحية (يا مار شربل) التي مثّلها هذا العام أكثر من 400 طالب وطالبة من معهد سيّدة لبنان ـ سيدني.
وبينما كنت أغادر الصرح البطريركي، التقيت على الباب بأناس كثيرين جاؤوا لطلب المساعدة، وقد اعترف لي العديد من الأصدقاء المسلمين أن البطريرك صفير يخدمهم كما يخدم أبناء طائفته، لدرجة أن أحدهم قال:ـ إنه بطرك النصارى والمسلمين معاً، إنه بطرك لبنان. إما أن يكون رجل الدين، أيّاً كان مذهبه، كهذا البطريرك القديس وإما فليفتّش عن عمل آخر يرتزق منه، كي لا يدمّر الأرض والسماء معاً، ويحرمنا من التمتع بهما.
14.9.04
فخر الدين الثاني المعني الكبير
1572 - 1635 يقول عزيز الاحدب في كتابه ان المؤرخون اختلفوا في دين الامير واصله وادعت كل طائفة بانه ينتسب اليها. فقال المسلمون ان دليلهم انه كان مسلما سنيا، بناؤه للجوامع وتعدد زوجاته وصيامه رمضان هو وعياله. اما اسطفان الدويهي في كتابه تارخ الموارنة الصادر عام 1860 فيقول ان فخر الدين احسن مثوى المسيحيين المظلومين فاعتزوا في ايامه، وركبوا الخيل، ولبسوا السراويل الواسعة والزنانير المزركشة، وسمح لهم باقامة شعائرهم الدينية جهارا وبقرع النواقيس ... وكان كل ذلك محرما عليهم من قبل. أما الدروز فلم يجدوا عناء في اثبات درزية الامير المعني، فالامير ولد من ابوين درزيين وعاش بين قومه الدروز وبقي درزيا حتى وفاته. أما اليهود فاطلق الحرية لحخاميهم ان يمارسوا شعائرهم وطقوسهم الدينية ولتجارهم ان يعملوا في الاراضي والمناطق الواقعة في امارته. المهم في الموضوع، يقول الاحدب، ان فخر الدين احترم الديانات السماوية واطلق حرية اقامة الشعائر الدينية.
Click on image to see enlarged picture. The picture is copyrigted by deirelqamar.com © copyright by GDN & Associates, 2002 -all rights reserved
"كان فخر الدين المعني، سليم الصدر، صافي السريرة، متواضعا، بشوشا. وهو في حلبة الطعان عبوس، هيوش. حليم عند الغضب، ما سمعت عنه الكلمة الفاحشة قط. يصغي الى المظلوم فينصفه من ظالمه ويرثي لحاله، فيكون له خير راحم.
قصير القامة، حنطي اللون، لطيف الهامة، مهاب، جليل، ذو عطاء جليل، قوي العزيمة، شديد الحزم، حسن التدبير، وكما يعطف على الغني يحنو على الفقير".
الشيخ احمد الخالدي الصفدي كاتب سيرة الامير
ويضيف اللواء الاحدب المتقاعد في كتابه انه ومنذ ان تولى فخر الدين الحكم شعر ان لبنانه اي الشوف ليس كل وطنه وانه لن يتمكن ابدا من بناء وطن كبير ما لم ينهج نهجا معاكسا لنهج السلطنة التي حكمت بسياسة "فرق تسد". ولكي يتمكن من اعادة الوحدة للمقاطعات اللبنانية، التي فرقها الحكام الخارجيون، كان عليه ان يهادن السلطنة وبذات الوقت يضم المقاطعات واحدة بعد الاخرى. وبدأ أولا بالمدن الواقعة على البحر. والبحر كان مهما للبنانيين على مر العصور لانه المتنفس الوحيد لهم ولتجارتهم ولفك حصارهم. وبدأ الحاق المقاطعات اللبنانية واحدة بعد الاخرى بواسطة اقناع حكام المقاطعات بمشروع بناء لبنان حر من السلطة العثمانية وولاتها.
ففي ذلك العام، اي 1623 وبعد ضم طرابلس استطاع لبنان- فخر الدين ان يمتد شمالا حتى طوروس-امانوس على حدود تركيا حاليا، وجنوبا حتى العقبة والعريش في مصر حاليا، ومناطق على تخوم دمشق، ومنطقة تدمر حيث بنى قلعة - انظر صورة القلعة اعلاه من موقع SyriaGate.com - ومناطق في حلب وحمص وحماة ومعان.
ونجاح الامير فخر الدين في جعل لبنان لبنانا كبيرا فهو دليل ان طموحات الشعب اللبناني هي اكبر من مساحته الصغيرة ولكن بذات الوقت لم يبدأ فخر الدين حربا لا هو ولا اللبنانيون من قبله ولا من بعده. وهذا كله يقول ان لبنان يريد ان يعيش بسلام وبحبوحة في ارضه المعترف بها دوليا. فالشعب السوري أو المنادين بالوحدة السورية او الوحدة العربية او الاسلامية يعطون دلائل ان لبنان كان تحت حكم سوريا او ولاة سوريين، او ان اصل الشعب اللبناني هو عربي او مسلم، في معرض مناقشتهم موضوع ان لبنان كان ولاية سورية او جزء من سوريا. والمنادين بالوحدة العربية يقولون بان اصل اللبنانيين هو عربي وبالتالي فان المناداة بوحدة عربية تجد لها احدى اهم الدلائل التاريخية، اي فخر الدين، لتبرير احقية هذه الدعوات. مع العلم بان فخرالدين اختار توسكانا في ايطاليا كمنفى له بعد اشتداد حصار الاتراك عليه.
نستطيع هنا القول ان فخر الدين ( الدرزي بالولادة والمسيحي بالحماية والمسلم ببناء الجوامع ) بانتصاره على والي دمشق والعثمانيين قال باسم اللبنانيين ان لبنان الذي نريده هو لبنان المتسامح الحر المستقل من اي نعت الا نعت نفسه بنفسه. فكما دعوات وحدة التاريخ والجغرافية، يستطيع اللبنانيون اليوم بحجة حكم فخر الدين على مقاطعات كبيرة في الشرق الاوسط ان يقولوا ان العريش كانت جزءا من لبنان وان تدمر وحماة كانت جزءا من لبنان وان الكرمل كانت جزءا من لبنان. وعلى هذا المنوال يستطيع ابناء روما اليوم الادعاء ان سوريا واسرائيل ولبنان ايطالية/رومانية، فهم حكموا الشرق الاوسط الف سنة. وبذات الحجة يستطيع الانكليز المطالبة بضم الولايات المتحدة لانهم استعمروها مئات السنين.
ان خيار انتماء اي شعب يقرره هذا الشعب نفسه ولا يستطيع احد ان يقرر عنه. ان اللبنانيون لم يطالبوا يوما بضم اي مقاطعة شرق اوسطية. وهم لم يهاجموا يوما اي مقاطعة او بلد، لا لسبب ديني ولا لسبب ايديولوجي على أقل تقدير . وكان الامير فخر الدين قد اطلق سراح والي دمشق بعد اسره، على امل ان يفهم الوالي ان الهدف ليس احتلال دمشق بل جلب السلام الى ربوع لبنان. وهل يوجد طريق اخرى لاقامة سلام وتعاون بين الشعوب والبلدان.
وللمقارنة: يخبرنا التاريخ ان غاريبالدي موحد ايطاليا الذي ولد في نيس التابعة وقتها لمملكة سردينيا، هي نيس نفسها الواقعة حاليا في فرنسا، استطاع ان يوحد ايطاليا بعد أن ضم كل المقاطعات الايطالية الصغيرة. وهو كان قد انتصر بجيشه على الفرق الفرنسية الكبيرة التي كانت بتصرف بابا روما بيوس التاسع. وكانت ايطاليا مقسمة بين مقاطعات تابعة للامبراطور النمسوي وبابا روما وحكام متفرقون واقطاعيون في الجنوب. ابن سردينيا الصغيرة يمهد الطريق في القرن التاسع عشر لبناء ايطاليا الموحدة التي نعرفها الان. أما فخر الدين، ابن جبل الشوف، فيوحّد ويبني لبنان الحديث في القرن السابع عشر، حوالي 200 سنة قبل غاريبالدي.
وللمقارنة ايضا، فنستطيع ان نذكر انه في التسعينات من القرن المنصرم نذكر ان صربيا بحجج قومية ايضا شنت حربا على البوسنة المسلمة وكرواتيا الكاثوليكية وسلوفينيا المختلطة ادت بعد مجازر خاصة في البوسنة الى استقلال كل هذه القوميات، البوسنية والكرواتية والسلوفينية، لان صربيا لم تستطع اقناع ابناء هذه البلاد بالانضمام الى صربيا الكبرى، لا بالحجة، ولا بالقوة. حتى مقدونيا الارثوذكسية المسيحية والاقرب الى القومية الصربية التي تجمعهما روابط التاريخ والجغرافيا، قررت ان تنفصل وتستقل عن صربيا.
ويبقى ان نختم هذه الصفحة الطويلة بالقول ان الامير نفسه قد قال لملك اسبانيا، عندما عرض عليه البقاء في اسبانيا وحكم مقاطعات اسبانية، "لم آت لحكم ولا لملك، انما اتيت لحماية لبنان". وفي مكان آخر قال: "انا ايش اريد من السلطان، انا راضي باللقمه وشربة المي، وانظر والدتي واهلي وان ما رضوا مني بذلك والا الجبال واسعة، وان كان ما تساعنا الجبال والا الدنيا واسعة".
المزيد:
سقوط الامير وموته
لوحة معركة عنجر
تفاصيل الموقعة وأسر والي دمشق
الطوابع
عودة الامير من المنفى
مصادر اخرى: لبنان القوي.
Back to Kadmous
10.9.04
معركة كـان
ما هي العلاقة بين المصارع الروماني غلاديياتور والقائد القرطاجي المتحدر من لبنان هنيبعل؟ ولماذا استعمل الحلفاء ذات التكتيك العسكري، الذي استعمله هنيبعل، للتقدم في صقلية وايطاليا في المراحل الاخيرة للحرب العالمية الثانية؟ اسئلة كثيرة، والاجوبة لن تجدها حتما في الكثير من الصفحات اللبنانية على قلتها. وهذه ال "على قلتها" دافعنا لكتابة بعض الصفحات عن القائد الساحر الذي لا يزال يشغل هوليوود، التي حتى تاريخه طلبت من مخرج فيلم غلاديياتور العمل على اخراج فيلم عن هنيبعل. اليسار وصور تؤسس قرطاجة على الساحل التونسي لانشاء محطة استراتيجية للتجارة وقاعدة للانطلاق الى مناطق اخرى. وهناك ولد هنيبعل المتشبع بالعنفوان وارادة رفع اسم قرطاجة عاليا ودحر اعدائها، فالى اسبانيا وجنوب فرنسا الى العبور بالفيلة وجيشه لنقل المعركة ضد روما الى عقر دارها. معارك عديدة خاضها هنيبعل ومنها اعظمها التي لا تزال تدرّس في المعاهد العسكرية. النص من 3 أجزاء وفي آخر كل جزء لينك للاجزاء الباقية.

بدأ القتال بمناوشات التحمت فيها القوات الخفيفة. ثم شن الفرسان الغوليون والاسبان الذين يؤلفون الجناح القرطاجي الايسر، بقيادة آزروبعل، هجوماً صاعقاً على الجناح الروماني الايمن. وكان هذا الجناح يقوده اميليوس باولوس مؤلفاً من ابطال روما وابناء اعيانها واسرها الكبيرة، فحاول الصمود مستبسلا، واستمات في الدفاع عن نفسه. ولكن الهجوم القرطاجي كان كاسحا، فاجتاح فرسان روما اجتياحا، وسحقهم سحقا،وهم محصورون بين النهر والمشاة، لا يستطيعون ان يقوموا، في مجالهم الضيق، باية مناورة. لقد زال الجناح الروماني الأيمن من الوجود في بدء المعركة، فقتل اكثر فرسانه تحت سنابك الخيل، وسقط باولوس جريحاً في صفوف المشاة، وراح القرطاجيون يطاردون الفارين في السهل الوسيع ويعملون فيهم السيف دون رحمة.
وفي تلك الاثناء كان هنيبعل قد جمّد القلب الروماني في مكانه بدفع المشاة الليبيين الى مجابهته. وكان ماهربعل، في الوقت نفسه، يشغل بفرسانه النوميديين الجناح الأيسر الذي يقوده فارون.
ومما يدل على ان الاوامر التي اصدرها هنيبعل كانت واضحة ودقيقة جداً ، ان ماهربعل لم يكن يريد من مناوشاته غير الالهاء، لأنه لم يهجم، ولم يفسح للرومان مجال الهجوم، فكان يتظاهر بالهجوم ثم ينكفىء شارداً في السهل، ثم يعود متأهباً. وظل كذلك حتى اجهز آزروبعل على الجناح الروماني الايمن ، وانطلق في السهل، وراء الرومان، كأنه في حلبة سباق، ثم جاء يضرب الجناح الروماني الأيسر من الوراء. فتضعضع فرسان فارون، ودب الرعب في قلوبهم، اذ اطبق عليهم آزروبعل وماهربعل، فاستسلموا للسيوف تضرب اعناقهم، وللرماح تغوص في صدورهم، ولحوافرالخيل تدوس هاماتهم، واضطر فارون ان يلوذ بالفرار على رأس خمسين فارسا، تاركا وراءه الجيش الروماني يتخبط في افدح كارثة حلت بروما.
بينما كان الجناحان الرومانيان يتلاشيان، اخذ هنيبعل يحرك اجزاء فخه الجبار، ليطبق على العدو. فشن على القلب الروماني هجوما عاما، ولكن هجومه كان مبتكرا جديدا وخارجا عن المألوف والمعروف، لان الخط الطويل المؤلف من الغوليين والاسبان تقدم وسطه دون طرفيه، فبدا منتفخا، واتخذ شكل هلال بارز الصدر صوب الرومان، مما جعل قائدي القلب الروماني القنصلين السابقين سرفيليوس وريغولوس، يظنان ان القرطاجي يريد اختراق جيشها لشطره قسمين ثم للقضاء على كل قسم على حدة، فصمدا له وشنّا عليه هجوما معاكسا، ففتحا فيه ثغرة كبيرة، واخذا يقاتلان بضراوة ليوسعا تلك الثغرة حتى تنقطع الجبهة القرطاجية وتنقسم الى شطرين.
وكان هنيبعل ينظر، وهو مرتاح ، الى ما يجري، لأن خطته كانت تتحقق بكل دقة، فلم تمض فترة من الزمن حتى انقلب الهلال القرطاجي البارز الى هلال أجوف، يفتح للرومان زراعيه. فأخذت الفيالق الرومانية تتدفق الى داخله حتى أصبحت مطوقة من ثلاث جهات واضطرت ان تقاتل على ثلاث جبهات.
ان بعض تفاصيل معركة كان ما تزال مجهولة، ولكن بوليب يخبرنا ان الجيش الروماني ظل يتجمع في جوف الهلال القرطاجي، كأن هناك قوة سحرية تجتذبه، حتى اصبح طرفا الجيش القرطاجي المؤلفان من المشاة الليبيين مشرفين على مؤخرته وبارزين وراءها.
بهذا تمت المعجزة وتهدمت حدود المستحيل، اذ أضحى الجيش الروماني مطوقا تقريبا بقوة لا تزيد عن نصف قوته الا قليلا. ان اربعين ألفا من القرطاجيين طوقوا سبعين الفاً من الرومان، وكان من البدهي ا، يتمكن الجيش الروماني من فك الحصار المضروب حوله باستعمال القوة العددية، دون ان يكون بحاجة الى خطة بارعة، او فنون عسكرية مبتكرة. ولكن الساحر كان قد حسب لكل شيء حسابا، واحتفظ بمفاجأته الكبرى ليختم بها المعركة.

فينما كان القلب الروماني يتخبط في موقفه الحرج ويحاول مواصلة القتال في الظروف الصعبة التي وقع فيها بين ثلاث جبهات، كان آزروبعل قد أباد الجناحين الرومانيين، وأرسل كوكبة من فرسانه النوميديين تطارد فلول فرقة فارون ثم جاء يضرب الرومان من الوراء ويجعل جيشهم في نطاق مغلق من الحديد والرجال. وبوصول آزروبعل على رأس فرسانه الغوليين والاسبان، اتضح مصير المعركة فاصبح الجيش الروماني محاطا بالاعداء من كل جهة. وقبل ان تغيب شمس ذلك النهار، انتهت المعركة بأضمحلال الجيش الروماني اضمحلالاً تاماً، فبدا سهل كان يغطيه خمسون الف قتيل من الرومان.
وفي تلك الاثناء، وصل ماهربعل وهو ملتهب حماسة، فأخذ يصيح: "دعونا من الطعام، دعونا من الراحة، فبعد هذا الانتصار العظيم سيرتاح هنيبعل في قلب روما، في الكابيتول، وهناك سيتناول طعام العشاء!". وخاطب هنيبعل قائلا:"دعني ازحف إلى روما على رأس فرساني، فسيعلم الرومان اني وصلت اليهم قبل ان يخبرهم أحد اني خرجت من هذا المكان!".
فأجاب هنيبعل، بلهجة تنم عن العياء، بأن هذا المشروع عظيم جداً، وعلى جانب كبير من الجمال، ولكنه يحتاج الى درس وتمحيص. عندئذ اطلق ماهربعل كلمته التاريخية التي تناقلتها القرون، اذ قال :"انت يا هنيبعل تعرف ان تنتصر، ولكنك لا تعرف ان تستفيد من الانتصار!". فابتسم هنيبعل ولم يجب. ثم أمر بتوزيع الطعام على جنوده، وتوجه الى مخدعه حيث غرق في نوم عميق.
لم ينم هنيبعل طويلاً تلك الليلة ولا جنوده ناموا.
ويجمع المؤرخون على القول بانه كان في وسع هنيبعل ان يسحق الجيش الروماني كله، وان يأسر جميع الأحياء من رجاله، لو ان قرطاجة أرسلت اليه النجدة التي طلبها ليجعل منها قوة احتياطية. ولكن افتقاره الى هذه القوة الاحتياطية مكّن بعض الرومان من الفرار. وقد نقل الينا المؤرخون القدماء تفاصيل ذلك الفرار، فعلمنا ان انصراف هنيبعل الى تصفية المعركة، واعطاء جنوده قسطاً من الراحة، افسح للقوة الرومانية الاحتياطية مجال التحرك، فذهب منها عشرة آلاف الى المعسكر الكبير، وسبعة آلاف الى المعسكر الصغير، وكان الجميع مصممين على الاستسلام، لاعتقادهم ان هنيبعل سيشن عليهم هجوماً صاعقاً. الا ان الضابط سمبرونيوس توريتانوس الذي كان في المعسكر الكبير أقنع 3500 من جنوده بالفرار الى كانوزيوم، للخلاص من الاسر. ولما عرض فكرته على جنود المعسكر الصغير، لم ينضم اليه منهم سوى 600 رجل، انتقلوا اولا الى المعسكر الكبير، ثم هربوا من هناك تحت ستر الظلام.
ولما كان هنيبعل بحاجة قصوى الى المال، لان تجار قرطاجة ضنوا عليه بذهبهم، ذلك الذهب الذي استولت عليه روما فيما بعد دفعة واحدة، فقد عرض على اسراه ان يطلق سراحهم لقاء فدية مالية يدفعونها، فجعل فدية الروماني 300 قرش، وفدية حليف روما 200 قرش، وفدية العبد الرقيق 100 قرش، وهو يعلم انه يمكّن بذلك روما من تأليف جيش جديد قد يعود الى منازلته، ولكن حاجته الى المال اضطرته ان يصرف النظر عن جميع هذه الاعتبارات.
المزيد:
هنيبعل ما قبل كان معركة كان
المصدر:
نصوص وصور معركة كـان من مجلدات كتاب "هنيبعل"، للمؤلف الراحل جورج مصروعة،الموجود في اكثر المكتبات.
مقال هنيبعل يعتمد على مقالات من الانترنت وابحاث خاصة.
الحرف الفينيقي على صورة هنيبعل منزّل من موقع phoenicia.org.
كتب عن هنيبعل تجدها بموقع أمازون
الانترنت:
من كان الى زاما
هنيبعل برقة والحروب البونية
خرائط ورسومات عن معركة كان
الحياة في قرطاجة
حياة ومعارك هنيبعل
دنزيل واشنطن لفيلم عن هنيبعل
وقت يللي غلاديياتور التقى هنيبعل
Back to Kadmous
ما قبل معركة كـان
ما هي العلاقة بين المصارع الروماني غلاديياتور والقائد القرطاجي المتحدر من لبنان هنيبعل؟ ولماذا استعمل الحلفاء ذات التكتيك العسكري، الذي استعمله هنيبعل، للتقدم في صقلية وايطاليا في المراحل الاخيرة للحرب العالمية الثانية؟ اسئلة كثيرة، والاجوبة لن تجدها حتما في الكثير من الصفحات اللبنانية على قلتها. وهذه ال "على قلتها" دافعنا لكتابة بعض الصفحات عن القائد الساحر الذي لا يزال يشغل هوليوود، التي حتى تاريخه طلبت من مخرج فيلم غلاديياتور العمل على اخراج فيلم عن هنيبعل. اليسار وصور تؤسس قرطاجة على الساحل التونسي لانشاء محطة استراتيجية للتجارة وقاعدة للانطلاق الى مناطق اخرى. وهناك ولد هنيبعل المتشبع بالعنفوان وارادة رفع اسم قرطاجة عاليا ودحر اعدائها، فالى اسبانيا وجنوب فرنسا الى العبور بالفيلة وجيشه لنقل المعركة ضد روما الى عقر دارها. معارك عديدة خاضها هنيبعل ومنها اعظمها التي لا تزال تدرّس في المعاهد العسكرية. النص من 3 أجزاء وفي آخر كل جزء لينك للاجزاء الباقية.

...أما هنيبعل فكان في وضع نفسي آخر، يختلف كل الاختلاف عن الوضع الروماني. كان مرتاحاً، هادىء الأعصاب، متفائلاً، يميل الى الدعابة والمرح، فركب جواده وسار، يحيط به أركان حربه، الى مكان مرتفع يشرف على مراكز العدو. وكان أحد أعوانه يدعى جيسكون، فما كاد يرى الجيش الروماني يملأ السهل، حتى قال بصوت ينمّ عن الخوف : " يا له من مشهد عجيب مدهش ... كيف حشدت روما كل هؤلاء الرجال ؟ ما أكثر الرومان ! فأجاب هنيبعل بكل رصانة : " هناك أمر آخر يدعو أكثر الى الدهشة والتعجب، وأنت لم تفكر به، وهو أنه لا يوجد بين هؤلاء الرومان، رغم كثرتهم، رجل يدعى مثلك : جيسكون ! " فضحك السامعون لهذا الجواب، واستبشروا خيراً، لأن انصراف القائد الى التندّر والمزاح، وهو على أبواب معركة فاصلة، من أبرز بوادر الثقة بالنفس، ومن أعظم عوامل النصر. وقد علّق المؤرخون كثيراً على هذه الكلمة، فاستنتجوا منها ان هنيبعل كان سيد أعصابه، يظل رابط الجأش في أحرج المواقف وأشدها خطراً.
التحضيرات
في 3 تموز216 ق.م.، اخذ الجيش الروماني يتأهب للقتال، فنظم صفوفه على الطراز التقليدي المعروف، اذ اصطفت الفرق الصغيرة المؤلفة كل واحدة منها من مئة رجل، فشكلت جبهة من ثلاثة خطوط، إلا انها كانت متقاربة، متراصة اكثر من المعتاد، ليكون خط القتال اعمق. مما دلً على ان فارون، قائد الرومان، كان ينوي اختراق الجيش القرطاجي وشطره شطرين ليتمكن بعدئذ من سحق كل واحد منهما على حدة. وهذا ما ادركه هنيبعل، واعد العدة اللازمة لاحباطه.
يقول جيرار والتر ان هنيبعل بدا ظاهر الغبطة لما رأى فرسان اميليوس، في مجالهم الضيق، بين النهر والمشاة، عاجزين عن القيام باية حركة واسعة، فخيل اليه ان اولئك الفرسان اصبحوا في قبضته، كما لو كان فارون قد دفعهم اليه مكبلين بالحديد. ويكاد المؤرخون يجمعون على القول بأن هنيبعل، لما رأى صفوف الرومان كما نظمها فارون، فكر بوضع خطته العبقرية لتطويق الرومان بصورة تدريجية، تلك الخطة الفريدة التي جعلت من معركة كان اعظم وألمع عملية استراتيجية – تكتية عرفها العالم، حتى قيل انها معجزة الفن العسكري في كل العصور، وهي ما تزال موضوع درس وتحليل في جميع المدارس الحربية.
ثم عهد بأهم أعمال المعركة وأصعبها الى العناصر الضعيفة في جيشه، تلك العناصر الجديدة وغير المجربة التي لا يثق بها كل الثقة، والتي اعتاد ان يجعل منها نقاط ارتكاز لا أهمية لها في اثناء القتال. اما الغوليون والأسبان، وهم ابطال الجيش، وأشد الجنود بطشا وإقداما، فولى عليهم ضابطا مغموراً لم يعرفه أحد قبل ذلك اليوم، يدعى آزروبعل، وجعلهم في الخط الثاني من قلب الجيش. لا ريب ان هنيبعل لمس مواطن الضعف في صفوف الرومان لما وقعت عينه عليها فغدت ثقته بالنصر ثابتة وطيدة. وقد لاحظ الخبراء العسكريون، بكثير من الاعجاب، انه اتخذ موقفا ارغم فيه الرومان على ان يقابلوه ووجوههم الى المشرق، لتضايقهم اشعة الشمس، فلا يرون اعدائهم بوضوح، بينما يستطيع القرطاجيون ان يروا دون ان يزعج النور انظارهم. ورأى هنيبعل، من جهة اخرى، ان الهواء كان يهب من الشرق، فاتخذ موقفه المذكور ليصفع الغبار وجوه الرومان، وهذا ما حدث بالفعل، وما كان من اسباب الهزيمة النكراء التي منيت بها روما.
المزيد:
هنيبعل ما قبل كان معركة كان
المصدر:
نصوص وصور معركة كـان من مجلدات كتاب "هنيبعل"، للمؤلف الراحل جورج مصروعة،الموجود في اكثر المكتبات.
مقال هنيبعل يعتمد على مقالات من الانترنت وابحاث خاصة.
الحرف الفينيقي على صورة هنيبعل منزّل من موقع phoenicia.org.
كتب عن هنيبعل تجدها بموقع أمازون
الانترنت:
من كان الى زاما
هنيبعل برقة والحروب البونية
خرائط ورسومات عن معركة كان
الحياة في قرطاجة
حياة ومعارك هنيبعل
دنزيل واشنطن لفيلم عن هنيبعل
وقت يللي غلاديياتور التقى هنيبعل
Back to Kadmous
5.9.04
قدموس
شعر شربل بعيني
أعزائي في قدموس..
تحيّة وبعد
أحب أن أطلعكم على قصيدة كتبتها وأنا على مقاعد الدراسة، أي منذ أربعين سنة، ونشرتها في ديواني (الغربة الطويلة)، وهي بعنوان (قدموس).. أرجو أن تعجبكم، وأشكركم مرّة ثانية على رسالتكم الإلكترونية المشجعّة. أخوكم شربل بعيني ـ أستراليا
قدموس
شعر شربل بعيني
ـ1ـ
.. وْبِتْضَلّْ يَا قدْمُوسْ
يَا سَيِّد الأَسْيَادْ
حِبْر وْقَلَمْ وِدْرُوسْ
وْدَفتريَن جْدَادْ
ـ2ـ
يَا مْعَلِّم الأَجْيَالْ
بِكْتَابَكْ قْرِينَا
كِيفْ هَـ الأَطْفَالْ
مِنْوَسِّع جْبِينَا
ـ3ـ
الْيَوْمْ صِرْنَا كْتَارْ
وْكِنْتْ وَحْدَكْ بَسّْ
تِكْتُبْ عَ ضَوِّ النَّارْ
وِتْشِعّ مِتل الشَّمْسْ
ـ4ـ
وْمَرْكَبَكْ لِلْيَوْمْ
بَعْدُو بْعِينَيْنَا
لا تْخَافْ نِحْنَا النَّوْمْ
مَا بْيِقْدر عْلَيْنَا
ـ5ـ
بْعِيدَك.. يا رَبّ الْحَرْفْ
زَادْ إِيمانِي
تَا أُوصْفُو.. مْنِ الْوَصفْ
رَحْ يِتْعَب لْسَانِي
ـ6ـ
تْلامِيذ مِتل الزَّهر
عَمْ يرقصوا بْعِيدَك
سِكْرُوا.. وْكان السّكرْ
مِنْ رِيحة نْبِيدَكْ
ـ7ـ
شُو بْخَبِّرُنْ عَنَّكْ
يَا بدر مَا لُو غْيَابْ؟!
رَحْ فَهِّمُنْ إِنَّكْ
مَيِّتْ إِلَكْ أَجْيَالْ
وْبَعْدَكْ مَا صِرْت تْرَابْ!!
**

















