سعيد عقل التسعونيّ الشاب [I]
سعيد عقل التسعونيّ الشاب فكراً نضراً وإيماناً را سخاً وحماسة مشتعلة للبنان التاريخ [I]:
ولأن بعلبك هي لسعيد عقل مثل لازمة محتومة في نشيد او صلاة، افترض من تلقائه سؤالا اول عنها، فكانت نقطة البداية من بعلبك ومستهل الحديث.
سعيد عقل: اذا دخّلت بعلبك نصف ما تدخّله باريس – والواقع انها تدخّل اكثر لأن من سيأتون الى بعلبك سيكونون اكثر من عدد السياح الذين يقصدون باريس-، يصبح معدل دخل الفرد 48 الف دولار، بينما لا دولة اليوم في العالم يساوي معدل دخل الفرد فيها هذا المبلغ. في اميركا يساوي 32 الفا. معدل الدخل الفردي يساوي عندنا اليوم 4200$ (اربعة آلاف ومئتان). ارأيت كم يرتفع هذا المعدل مع بعلبك؟
لكن هل ثمة آلية تضمن افادة الفرد اللبناني من هذا المشروع؟
ما ستدخّله بعلبك هو للشعب اللبناني كله، ويتم تقسيمه على الشعب. اذن، يرتفع الدخل عندنا في نسبة عالية جداً. ثم إن هذا الدخل الكبير يمكننا ايضاً من التحنّن على دول فقيرة. ثمة دول ترمي كل فقرائها عندنا. اميركا تمدّ مصر بأربعة مليارات دولار أحياناً، أما نحن فقد نتمكن من مدّها بعشرة مليارات.
وهل تعتقد أن مشروع بعلبك الذي تتحدث عنه بهذه الحماسة والجدية قابل للتنفيذ؟ ألا يحتاج الى قرار سياسي يؤمن به ويعمل له؟
"خبريّة" بعلبك لا تقبل الجدال اذا ما نُشر وكُتب في العالم عن بعلبك كونها أجمل تحفة في العالم. يجهل الجميع هذه الحقيقة باستثناء قلّة، منها شارل قرم وأنا وثلاثة او اربعة اشخاص آخرين. إن قلتِ اليوم إن بعلبك أجمل تحفة في العالم يسخرون منك. يكفي أن يخبر أي سفير، أو سكرتير سفير، ماذا قال أندره غيغر – وليس سعيد عقل – عن بعلبك. (وفي نبرة مَن يحلو له تكرار الكلام في شغف لا يوصف عن حبيبته تابع عقل...) قال غيغر وهو عالم جمال إن البارثنون أقل بما لا يُقاس من جمال بعلبك المهيب. هذا الكلام غير معروف عن بعلبك. إحزري عند مَن ليس معروفاً؟ ليس فقط عند المسؤولين، بل ايضاً لا يعرف رؤساء جامعاتنا هذا القول عن بعلبك. يفترض أن يكون هؤلاء وجه القماش. إسمعي الآن كيف يمكننا إزالة الفقر واتركي موضوع بعلبك. إن 1،4 في المئة كفيلة إلغاء الأمية. هل يحسب أحد حساباً لهذه النسبة المتواضعة؟ مع ذلك، لا تُحوّل هذه النسبة للعمل على محو الأمية، في حين أنهم يخصصون سبعمئة مليار ليرة للطرق. أتعرفين لماذا؟ لأن مَن يُلزّم مشروعاً مماثلاً يحصل على ستين في المئة من كلفة الالتزام. أما لو حدثتهم عن موضوعات الأمية والفقر يقولون: "روح فِلّ يا سعيد عقل! شو هالحكيات لْ عم تحكيُن!". اذا بعنا من مياهنا... يقدّر أكبر خبير في المياه، ابرهيم عبد العال، أن مياهنا تساوي عشرة مليارات متر مكعب. ويقول عالم يسوعي إن الرقم هو ثمانية مليارات. مع ثقتي بعبد العال، سأعتمد على رأي العالم اليسوعي. إن بعنا ثمانية في المئة من مياهنا. انتبهي جيداً! ثمانية في المئة فقط. هل يقيم أحد وزناً لهذه النسبة؟ يكفي أن نبيع من مياهنا بعشر السعر المعتمد المتداول. لو عرفتِ أن شركة سيارات تبيع السيارة بعشر سعرها ألا تشترين سيارة لك وواحدة لخادمتك وأخرى لابنة عمتك وابنة خالتك؟ اذن، لو بعنا مياهنا بعشر سعرها ألا يتهافت الجميع الى شرائها؟ مسؤولونا لا يعرفون ذلك!
لا ناقد بلا منقود
يحلو لك الكلام على النقد والنقاد في طريقة سلبية، لماذا؟
- أيها الناقد، أنت تنتقد كاتباً. هذا الكاتب هو أفضل منك، فلولاه لم تكن أنت. ما كان للناقد أن يكون لولا وجود المنقود. اذن، كيف يجوز لك أن تنتقد مَن هو علّة وجودك؟ أليس هذا التحليل حلواً؟ ينبغي إلغاء النقد. لي كتاب عنوانه "كأسٌ لخمر" وكله مديح لأدباء أحبهم وأعتبرهم عظماء. وماذا أقول عن نفسي بالنسبة اليهم؟ أنا الزجاج وهم الخمر، أي أني اقلّ منهم لأن الكأس أقل من الخمر.
هل شاهدت مسرحية "مهاجر بريسبان" لجورج شحاده خلال مهرجانات بعلبك هذه السنة؟
تعرفين أن تنقّلي من هنا الى بعلبك صعب. أعرف هذه المسرحية وربطتني بصاحبها علاقة صداقة، لكنني لا أذهب الى بعلبك او زحلة الا بعد استشارة طبيبي.
أنت تحظى دوماً بمديح كثير من كتّاب ومثقفين على سبيل المثال قول الشاعر عصام العبدالله مجازاً إن التاريخ سيصنّف رجال القلم تبعاً لما اذا كان سعيد عقل أحس بهم أو لا. ما تعليقك على هذا الكلام الكبير؟
- هؤلاء الاشخاص نبلاء جداً وما يقولونه عني يدل على نبلهم وعلى أنهم يعرفون أن يحبوا، والاساس في الشخص قبل أن يكتب أن يعرف كيف يحب. لكن أكثر من ذلك، هؤلاء استلهموا أقوالهم الجميلة هذه من أقوال عن لبنان. أنا صغير قياساً بما قيل عن لبنان. اسمعي ما قاله إرنست رونان عن روما مُدخلاً اسم فيلسوف لبناني هو زينون مؤسس الرواقية. قال إن المئة سنة العظيمة في تاريخ روما كانت مئة سنة زينونية. اذن، أعظم ما في روما هو من تأثير زينون. كان زينون يفاخر بفينيقيته. وثمة رواية عنه سأسردها لك. كان زينون مديد القامة، وذات يوم سأله معلمه: "يا زينون، ماذا يعني اسمك بالفينيقية؟"، أجابه: زين تعني "حلو" والـ"ون" للتصغير، أي أنني أنا "الحلو الصغير"، فبادره معلمه الى القول: "يعني هذا أنك الفينيقي الصغـ.....ير (مادّاً لفظ الكلمة في آخرها ورافعاً يده الى الأعلى) وردّ عليه زينون بنبرة مماثلة "بلى، أنا الفينيقي الصغيـ....ير (مشيراً الى انه فهم قصد معلمه بأنه في الواقع الفينيقي الكبير)، أنا أصغر شخص في فينيقيا"، أنظري هذا التواضع. لنبقِ الهلالين مفتوحين كي نرى ما حصل ايضاً مع زينون. لمع هذا الرجل كثيراً في أثينا التي ترسل اليه وفداً حاملاً له هديتين: الاولى مفاتيح المدينة، وهذا نوع من التكريم الذي لا يزال معتمداً الى اليوم. والثانية، الجنسية الأثينية، علماً أن تلك الجنسية لم يكن يملكها سوى عشرة في المئة من السكان، في حين أن الباقين جميعاً إما تجار يسمح لهم فقط بالتجارة في أثينا او هم عبيد. ورغم اهمية الجنسية الأثينية، رفض زينون أن يُمنح إياها. قبل الهدية الاولى، لكن "في مسألة منحي الجنسية الأثينية، يقول لكم الفينيقي الصغير، إنه يريد أن يموت وهو الفينيقي الصغير". رفض تلك الجنسية العظيمة ولم يتنازل عن فينيقيته، رغم أنه كان أمسى أعظم رجل في اثينا. هل حلو هذا الكلام؟
كأنك زينون آخر لكثرة ما تبدو "ثملاً" بموقف زينون الفينيقي!
(ضحك). لا تأخذيني الى مديح مماثل.
(يتابع سعيد عقل في موضوع غالٍ جداًَ له هو سلطة الفاتيكان) كانوا يقولون دوماً لستالين إن البابا ضده، فيردّ كم فرقة عسكر لديه. لدى البابا مئة جندي بنادقهم بلا رصاص. الفاتيكان كله ثمانمئة شخص، واحزري كم يحكم الفاتيكان؟ يحكم ملياراً وأربعمئة وخمسين مليون كاثوليكي، ويحكم معنوياً الى حد ما أربعمئة وخمسين مليون مسيحي آخرين، أي الروم والبروتستانت، رغم أنهم لا يعترفون به. إنهم يحترمونه، لكن لن نضيف عددهم الى الآخرين. إحزري ما معنى أن تكوني كاثوليكية. يعني أنك في المليار وأربعمئة وخمسين. لا قوة في العالم تضاهي هذا الرقم. لكي تكوني كاثوليكية ليس الأمر كالبروتستانت ان تؤمني بالإنجيل و"بس". الشروط أصعب كي تكوني كاثوليكية. ينبغي أن تؤمني بالإنجيل وبالأعوام الألفين التي شرحت الإنجيل فلا تشرحينه على ذوقك. والبابا هو المشرف على الأعوام الألفين تلك وعلى شرح الإنجيل. أرأيت أين الصعوبة وكم هي كبيرة؟ يعني إذا كان ثمة قداس للموارنة، ورأى البابا أن ثمة سطراً فيه غير سويّ، عليّ عندئذ أن أمزّق (أي ألغي) هذا السطر.
لكن ألا ينبغي الإقرار بأن باباوات عديدين مروا في تاريخ الكنيسة وارتكبوا اخطاء كبيرة بعضها لا يغتفر ربما؟
ردّي قويّ جداً على هذا الكلام. أولا: هل تعرفين مَن "يشرشح" الباباوات ومن يشتمهم؟ الباباوات. أيّ النقد الذاتي الموجود في الكنيسة الكاثوليكية. الكنيسة الكاثوليكية فتحت أبوابها ومكتبتها لجميع الناس. النقد الذاتي هو أعظم المنتقدين للباباوات السيئين، ولم يُقلْ إن البابا معصوم عن الخطأ إلا قبل مئة عام. اتخذ هذا القرار قبل مئة عام لا أكثر. حاملو جنسية الفاتيكان ثمانمئة. سواء نقصوا أو زادوا عشرة، فإنهم يحكمون أكبر عدد من الأفراد في العالم. الصين لا تملك هذا العدد (مليار و450 مليون نسمة).
المسيح الإنسان والإله
في رأيك، مِنْ أين أو ممّّ يكتسب الفاتيكان هذه القدرة والسلطة على ما تسميه "حكم" هذا العدد الهائل من البشر؟
في نظر المسيحيين – وانا واحد منهم – أن منْ أسس الديانات بشر. ومَن أسس المسيحية هو إله وبشر. عقيدتنا المسيحية – وأنا من أكبر الاختصاصيين فيها – هي أن مؤسس المسيحية إله وإنسان. مِن أين أخذوا هذا؟ للموارنة فضل في هذا الأمر الذي نشر في مجمع خلقيدونية. لم يكونوا أصبحوا طائفة بعد. كان لهم على (ضفاف) العاصي أديار "طويلة عريضة" وكان المؤسس مار مارون، هذا الشخص الذي صعد وجلس قرب الله على جبل. لم يكن له أي نفوذ، وكان بطاركة يرسلون اليه طالبين منه: "صلّ لنا يا مارون، صلّ لنا". لم يكن له أي نفوذ ولديه أشخاص يسمون أنفسهم أبناء مارون، هناك على العاصي ولم يكن اسمهم موارنة بعد. وذهب بعض هؤلاء الى خلقيدونية. كان ثمة صراع بين بطاركة حول هل المسيح هو الله أم لا. وبتأثير منهم خلُص المؤتمرون إلى أن "المسيح هو إله مئة في المئة وإنسان مئة في المئة". وهذه ليست مجرد عقيدة في المسيحية، بل هي مأخوذة من صميم الإنجيل. يخبرنا الإنجيل أن المسيح جاع. رأى تينة لكنه لم يعثر فيها على ثمار. الجوع إنساني. في المقابل قالت أخت ألعازر للمسيح إن أخاها مات منذ ثلاثة أيام فسألها أن تأخذه إلى قبره. وقال لألعازر قم فقام. أترين كم أن المسيح هو مرّات إنسان، ومرّات إله؟ الموارنة استندوا إلى الإنجيل وقالوا خلال المؤتمر إن المسيح هو الله، والمسيح هو الإنسان. المسيحية تؤمن اليوم بأن المسيح هو الله، والمسيح إنسان.
قد لا يوافقك بعضهم القول إن المسيح ذو طبيعة إنسانية تامّة إذ يماثل الإنسان ما خلا في موضوع الخطيئة.
هذا صحيح وفيه مزيد من التدقيق اللاهوتي. المهم أن نعرف أن المسيح إنسان وإله. لم يبلغ أحدٌ المقام الذي بلغته إنسانية المسيح وأم المسيح. لم يتلفظ المسيح البتّة بكلمة واحدة بشعة. لم يَقُلْ كلمة واحدة غير عميقة. هل يجرؤ أي من الفلاسفة أو مؤسسي الأديان على أن يقول لك: أحبّي عدوك؟
وكيف تفهم أنت هذا القول؟ كيف يسع المرء أن يحب عدوّه؟
إسمعي كيف أفهمها. لو أخذت المسيح إلى المحكمة وقلت له: سأحاكمك على أفكارك، إذْ كيف تطلب مني أن أحبّ - مثلاً - شخصاً اعتدى على أختي وذبح أبي؟ ضربت مثلاً عن فعلين شنيعين جداً، لكن إحزري ماذا يقول المسيح: أنا نزلت من السماء لأجعلك ملكاً، وأنت ما زلت تكره وتحقد وتريد ردَّ الأذية؟ نزلت لأجعلك ملكاً، والملك هو القادر على الصفح – مهما يكن – الملك أكبر بكثير مما تظن. إجابات المسيح عن هذه الأسئلة كانت ستكون عظيمة حتماً. بلى، نزل المسيح من السماء لجعل كلَّّ إنسان ملكاً، وكلّ مسيحي لا يعتبر نفسه كذلك ولا يتصرف على أساس أنه ملك، ليس مسيحياً.
أنت تفترض أو تخال أن ردّ المسيح على هذا السؤال سيكون كذلك!
أقول ذلك وأنا متأكد من أن البابا يقوله أيضاً، أي أن المسيح جعلنا جميعاً ملوكاً وجعل النساء ملكات. وحين تكونين ملكة هل يهمك بعد أن تكرهي أحداً؟
حسناً، لكن المسيح قال أيضاً ما معناه أن على مَنْ ليس لديه سيف له أن يشتري واحداً. ومَنْ أواجه بالسيف يقول لي أحبب عدوّك؟
ثمة ظن أن هذين القولين متناقضان: مَنْ ليس عنده سيف ليبع ثيابه ويشترِ سيفاً، مَنْ ضربك على خدّك الأيمن أدرْ له الأيسر. أنظري. سأضربك على خدّك الأيمن. لا أستطيع أن أضربك على خدّك الأيمن سوى بقفا يدي. إذن، مَنْ يضربك هكذا، حتماً لم يأتِ ليقتلك، بل لمحاولة تحقيرك او السخرية منك. هنا يقول له المسيح أدِرْ له الأيسر، سهّل له الامر، هذا لم يأتِ لقتلك، لكنه لم يقل له أن يشتري سيفاً. تصوّري مثلاً أن لديّ مدرسة في بيروت وحضر اليها أحدهم وقتل تلاميذي، فهل أسكت عن ذلك؟ هل أقول له عندي مدرسة أخرى في زحله إذهب لقتل تلاميذي الآخرين؟ قطعاً لا بل سأقتني سيفاً لمواجهته.
حنان عاد
Back to Kadmous

















<< Kadmous