معركة كـان
ما هي العلاقة بين المصارع الروماني غلاديياتور والقائد القرطاجي المتحدر من لبنان هنيبعل؟ ولماذا استعمل الحلفاء ذات التكتيك العسكري، الذي استعمله هنيبعل، للتقدم في صقلية وايطاليا في المراحل الاخيرة للحرب العالمية الثانية؟ اسئلة كثيرة، والاجوبة لن تجدها حتما في الكثير من الصفحات اللبنانية على قلتها. وهذه ال "على قلتها" دافعنا لكتابة بعض الصفحات عن القائد الساحر الذي لا يزال يشغل هوليوود، التي حتى تاريخه طلبت من مخرج فيلم غلاديياتور العمل على اخراج فيلم عن هنيبعل. اليسار وصور تؤسس قرطاجة على الساحل التونسي لانشاء محطة استراتيجية للتجارة وقاعدة للانطلاق الى مناطق اخرى. وهناك ولد هنيبعل المتشبع بالعنفوان وارادة رفع اسم قرطاجة عاليا ودحر اعدائها، فالى اسبانيا وجنوب فرنسا الى العبور بالفيلة وجيشه لنقل المعركة ضد روما الى عقر دارها. معارك عديدة خاضها هنيبعل ومنها اعظمها التي لا تزال تدرّس في المعاهد العسكرية. النص من 3 أجزاء وفي آخر كل جزء لينك للاجزاء الباقية.

بدأ القتال بمناوشات التحمت فيها القوات الخفيفة. ثم شن الفرسان الغوليون والاسبان الذين يؤلفون الجناح القرطاجي الايسر، بقيادة آزروبعل، هجوماً صاعقاً على الجناح الروماني الايمن. وكان هذا الجناح يقوده اميليوس باولوس مؤلفاً من ابطال روما وابناء اعيانها واسرها الكبيرة، فحاول الصمود مستبسلا، واستمات في الدفاع عن نفسه. ولكن الهجوم القرطاجي كان كاسحا، فاجتاح فرسان روما اجتياحا، وسحقهم سحقا،وهم محصورون بين النهر والمشاة، لا يستطيعون ان يقوموا، في مجالهم الضيق، باية مناورة. لقد زال الجناح الروماني الأيمن من الوجود في بدء المعركة، فقتل اكثر فرسانه تحت سنابك الخيل، وسقط باولوس جريحاً في صفوف المشاة، وراح القرطاجيون يطاردون الفارين في السهل الوسيع ويعملون فيهم السيف دون رحمة.
وفي تلك الاثناء كان هنيبعل قد جمّد القلب الروماني في مكانه بدفع المشاة الليبيين الى مجابهته. وكان ماهربعل، في الوقت نفسه، يشغل بفرسانه النوميديين الجناح الأيسر الذي يقوده فارون.
ومما يدل على ان الاوامر التي اصدرها هنيبعل كانت واضحة ودقيقة جداً ، ان ماهربعل لم يكن يريد من مناوشاته غير الالهاء، لأنه لم يهجم، ولم يفسح للرومان مجال الهجوم، فكان يتظاهر بالهجوم ثم ينكفىء شارداً في السهل، ثم يعود متأهباً. وظل كذلك حتى اجهز آزروبعل على الجناح الروماني الايمن ، وانطلق في السهل، وراء الرومان، كأنه في حلبة سباق، ثم جاء يضرب الجناح الروماني الأيسر من الوراء. فتضعضع فرسان فارون، ودب الرعب في قلوبهم، اذ اطبق عليهم آزروبعل وماهربعل، فاستسلموا للسيوف تضرب اعناقهم، وللرماح تغوص في صدورهم، ولحوافرالخيل تدوس هاماتهم، واضطر فارون ان يلوذ بالفرار على رأس خمسين فارسا، تاركا وراءه الجيش الروماني يتخبط في افدح كارثة حلت بروما.
بينما كان الجناحان الرومانيان يتلاشيان، اخذ هنيبعل يحرك اجزاء فخه الجبار، ليطبق على العدو. فشن على القلب الروماني هجوما عاما، ولكن هجومه كان مبتكرا جديدا وخارجا عن المألوف والمعروف، لان الخط الطويل المؤلف من الغوليين والاسبان تقدم وسطه دون طرفيه، فبدا منتفخا، واتخذ شكل هلال بارز الصدر صوب الرومان، مما جعل قائدي القلب الروماني القنصلين السابقين سرفيليوس وريغولوس، يظنان ان القرطاجي يريد اختراق جيشها لشطره قسمين ثم للقضاء على كل قسم على حدة، فصمدا له وشنّا عليه هجوما معاكسا، ففتحا فيه ثغرة كبيرة، واخذا يقاتلان بضراوة ليوسعا تلك الثغرة حتى تنقطع الجبهة القرطاجية وتنقسم الى شطرين.
وكان هنيبعل ينظر، وهو مرتاح ، الى ما يجري، لأن خطته كانت تتحقق بكل دقة، فلم تمض فترة من الزمن حتى انقلب الهلال القرطاجي البارز الى هلال أجوف، يفتح للرومان زراعيه. فأخذت الفيالق الرومانية تتدفق الى داخله حتى أصبحت مطوقة من ثلاث جهات واضطرت ان تقاتل على ثلاث جبهات.
ان بعض تفاصيل معركة كان ما تزال مجهولة، ولكن بوليب يخبرنا ان الجيش الروماني ظل يتجمع في جوف الهلال القرطاجي، كأن هناك قوة سحرية تجتذبه، حتى اصبح طرفا الجيش القرطاجي المؤلفان من المشاة الليبيين مشرفين على مؤخرته وبارزين وراءها.
بهذا تمت المعجزة وتهدمت حدود المستحيل، اذ أضحى الجيش الروماني مطوقا تقريبا بقوة لا تزيد عن نصف قوته الا قليلا. ان اربعين ألفا من القرطاجيين طوقوا سبعين الفاً من الرومان، وكان من البدهي ا، يتمكن الجيش الروماني من فك الحصار المضروب حوله باستعمال القوة العددية، دون ان يكون بحاجة الى خطة بارعة، او فنون عسكرية مبتكرة. ولكن الساحر كان قد حسب لكل شيء حسابا، واحتفظ بمفاجأته الكبرى ليختم بها المعركة.

فينما كان القلب الروماني يتخبط في موقفه الحرج ويحاول مواصلة القتال في الظروف الصعبة التي وقع فيها بين ثلاث جبهات، كان آزروبعل قد أباد الجناحين الرومانيين، وأرسل كوكبة من فرسانه النوميديين تطارد فلول فرقة فارون ثم جاء يضرب الرومان من الوراء ويجعل جيشهم في نطاق مغلق من الحديد والرجال. وبوصول آزروبعل على رأس فرسانه الغوليين والاسبان، اتضح مصير المعركة فاصبح الجيش الروماني محاطا بالاعداء من كل جهة. وقبل ان تغيب شمس ذلك النهار، انتهت المعركة بأضمحلال الجيش الروماني اضمحلالاً تاماً، فبدا سهل كان يغطيه خمسون الف قتيل من الرومان.
وفي تلك الاثناء، وصل ماهربعل وهو ملتهب حماسة، فأخذ يصيح: "دعونا من الطعام، دعونا من الراحة، فبعد هذا الانتصار العظيم سيرتاح هنيبعل في قلب روما، في الكابيتول، وهناك سيتناول طعام العشاء!". وخاطب هنيبعل قائلا:"دعني ازحف إلى روما على رأس فرساني، فسيعلم الرومان اني وصلت اليهم قبل ان يخبرهم أحد اني خرجت من هذا المكان!".
فأجاب هنيبعل، بلهجة تنم عن العياء، بأن هذا المشروع عظيم جداً، وعلى جانب كبير من الجمال، ولكنه يحتاج الى درس وتمحيص. عندئذ اطلق ماهربعل كلمته التاريخية التي تناقلتها القرون، اذ قال :"انت يا هنيبعل تعرف ان تنتصر، ولكنك لا تعرف ان تستفيد من الانتصار!". فابتسم هنيبعل ولم يجب. ثم أمر بتوزيع الطعام على جنوده، وتوجه الى مخدعه حيث غرق في نوم عميق.
لم ينم هنيبعل طويلاً تلك الليلة ولا جنوده ناموا.
ويجمع المؤرخون على القول بانه كان في وسع هنيبعل ان يسحق الجيش الروماني كله، وان يأسر جميع الأحياء من رجاله، لو ان قرطاجة أرسلت اليه النجدة التي طلبها ليجعل منها قوة احتياطية. ولكن افتقاره الى هذه القوة الاحتياطية مكّن بعض الرومان من الفرار. وقد نقل الينا المؤرخون القدماء تفاصيل ذلك الفرار، فعلمنا ان انصراف هنيبعل الى تصفية المعركة، واعطاء جنوده قسطاً من الراحة، افسح للقوة الرومانية الاحتياطية مجال التحرك، فذهب منها عشرة آلاف الى المعسكر الكبير، وسبعة آلاف الى المعسكر الصغير، وكان الجميع مصممين على الاستسلام، لاعتقادهم ان هنيبعل سيشن عليهم هجوماً صاعقاً. الا ان الضابط سمبرونيوس توريتانوس الذي كان في المعسكر الكبير أقنع 3500 من جنوده بالفرار الى كانوزيوم، للخلاص من الاسر. ولما عرض فكرته على جنود المعسكر الصغير، لم ينضم اليه منهم سوى 600 رجل، انتقلوا اولا الى المعسكر الكبير، ثم هربوا من هناك تحت ستر الظلام.
ولما كان هنيبعل بحاجة قصوى الى المال، لان تجار قرطاجة ضنوا عليه بذهبهم، ذلك الذهب الذي استولت عليه روما فيما بعد دفعة واحدة، فقد عرض على اسراه ان يطلق سراحهم لقاء فدية مالية يدفعونها، فجعل فدية الروماني 300 قرش، وفدية حليف روما 200 قرش، وفدية العبد الرقيق 100 قرش، وهو يعلم انه يمكّن بذلك روما من تأليف جيش جديد قد يعود الى منازلته، ولكن حاجته الى المال اضطرته ان يصرف النظر عن جميع هذه الاعتبارات.
المزيد:
هنيبعل ما قبل كان معركة كان
المصدر:
نصوص وصور معركة كـان من مجلدات كتاب "هنيبعل"، للمؤلف الراحل جورج مصروعة،الموجود في اكثر المكتبات.
مقال هنيبعل يعتمد على مقالات من الانترنت وابحاث خاصة.
الحرف الفينيقي على صورة هنيبعل منزّل من موقع phoenicia.org.
كتب عن هنيبعل تجدها بموقع أمازون
الانترنت:
من كان الى زاما
هنيبعل برقة والحروب البونية
خرائط ورسومات عن معركة كان
الحياة في قرطاجة
حياة ومعارك هنيبعل
دنزيل واشنطن لفيلم عن هنيبعل
وقت يللي غلاديياتور التقى هنيبعل
Back to Kadmous

















<< Kadmous