25.10.03

ليلة الغزالي الطويلة

نهار شاق أتعب أبو غزالة، فهو بدأ منذ الصباح الباكر بقراءة كل التقارير الواردة له المجمعة من مصادره في كل المناطق اللبنانية. تجمعات معارضة يقيمون ندوة هنا، وتجمع معارض شبابي آخر أقام عشاء في قرية لبنانية هناك. وناشطون يتصلون بآخرين من أجل تنسيق ما في مكتب فلان الفلاني. التقارير كثيرة ولا تتوقف ولا لحظة. ظابطه لم يجلب له قهوته الصباحية بعد .

وأسبوعه الطويل المتعب لم ينته بعد، فمنذ حوالي شهر، لا تنتهي أيامه واسابيعه، منذ ان فاجأتهم المعارضة بالانتخابات الفرعية. كان عليه ان يتصل بجميع عملائه وظباطه الملحقون بالوزارات اللبنانية الكبيرة. حتى انه اضطر شخصيا الى النزول الى بيروت والتنسيق مع كل جماعاته. لقد عرف منذ اللحظة الاولى ان اكثرية الشعب اللبناني لن يلحقوا بقرارات فعالياتهم. سقط القناع منذ زمن طويل، وها الفرصة لاحت للشعب اللبناني من اجل ان يعلموا السوريون وجماعاتهم درسا .

سهرته كانت طويلة، ابو غزالة. فعالية لبنانية جاءت تنسق معه عمولته، عمولته هو ابو غزالة وعمولة الفعالية، فرئيس ابو غزالة ساعد على نقل الكسارات الى الشرقية، وابو غزالة يريد توزيع الرخص بالعدل والقسطاس على هذا السميك، وعلى غيره الذي لم يوقف اتصالاته الهاتفية منذ الصباح. وبعدها قرأ كل التقارير الاستخباراتية التي ارسلها ظباطه من وزارة الدفاع اللبنانية. لا يستكين ابو غزالة ورؤسائه لصمت ظباط وأفراد الجيش اللبناني.

ساعات الليل صارت كثيرة، ولازم ينام ابو غزالة، فعنده غدا برمة على الوزراء اللبنانيون. الساعة قبل منتصف الليل بقليل. وجفونه تطبقان لوحدهم. يشلح ثيابه على الارض. نظرة أخيرة من نافذة غرفته في مبنى قيادته بعنجر. لقد جاء الخريف. الغيوم تركض متسارعة وضوء القمر ينساب خفرا من بضع فتحات.

دقائق مرت على انغلاق عيناه المحمرتان. دق الهاتف الفستقي اللون. يا الهي، انتفض الغزالي، يرفع سماعة الهاتف المتصل مباشرة بقيادته السورية. الصوت على الطرف الآخر يقول له اتصل بالجميع الآن من كبيرهم الى صغيرهم. ماذا حصل يتسائل رستم الذي يكاد يقع على السرير من فرط تعبه. يجاوبه رئيسه أنه لم تنفع مناورتنا الاخيرة، لم نستطع تأخير الانهيار.

بقي ابو غزالة صامتا ومشوش الفكر لبضع دقائق. تعبان ويومه غدا سيكون طويلا ويحتاج الى بضع ساعات نوم، ولكن جاء الامر، رقبته بالدق. مشى متثاقلا الى مكتبه، رفع السماعة، واتصل بكبيرهم.

ساعات قليلة وتمتلئ الصحف اللبنانية، لا السورية، بالشتائم والتهديدات. يصلي مديرو التحرير ان يلحقوا ويطبعوا آخر الاوراق الواردة الى مكاتبهم. يستشعرون بالخطر، فليس العادة ان يأتي ظباط المخابرات السوريين بهؤلاء الاوراق، المعتاد ان يأتي اللبنانيين.

وليس بعيدا من عنجر، بضعة عشرات كيلومترات، في صحراء تدمر، يقلب "ابو عبدو" على الارض الباردة. اليوم اكل فاصوليا بالزيت قبل الغروب. يمر الحارس ذو الدعسات الخفيفة، يسمعهم يتكلمون عن ذكريات لبنانية، ينهرهم ليسكتوا، ابو عبدو يتذمر. يدخل الحارس عليه، يوسعه ضربا مبرحا، ينادي رفاقه، يحملون ابوعبدو الى الانفرادي. متعود ابو عبدو على هذه القصاصات. شهر في الانعزالي ويمر سريعا. يستعين بذكريات لبنان على الظلم. يدفع ركبتيه نحو بطنه، لعلعه يدفأ قليلا. الرياح تبدو باردة خارجا.

وكلب يستيقظ باكرا. جائعا. يدور حول القلعة يفتش عن عظمة. أمطرت كثيرا البارحة، ولا بد من وجود عظمة في هذه الصحراء، يقول الكلب. أخبره أهله ان الكثيرين دفنوا هنا تحت التراب. يرى نتوءا، يحفر قليلا، التراب طريا، هذه عظمة.